كتب احمد عسله
في صفحة الوطن الفكرية التي لا تُطوى وفي مدينة تنبض بتاريخها العلمي وتقاليدها الراسخة تستعد جامعة الزقازيق لاستقبال أمسية تُعيد للدرس الأكاديمي وقاره وترفع للبحث الجاد رايته وتختبر قدرة العقل المصري على مواصلة ما بدأه الأئمة الكبار من مسيرة التجديد الواعي.
ففي السبت 29 نوفمبر 2025 تقف كلية الدراسات والبحوث الآسيوية على موعد مع حدث لا يشبه الأحداث العادية إنه استدعاء للفكر الصوفي في أنقى صوره واستحضار لمشروع الشيخ البوطي التجديدي بعمقه ونداه حدث لا يمر مرور الأيام بل يُسجل في دفتر الجامعة كصفحة ناصعة جديدة من صفحاتها.
عنوان يشبه أطلال الحكمة وموضوع يخاطب أرواح الباحثين قبل عقولهم
تحمل الرسالة عنوانا له من الرصانة نصيب ومن الإشراق نصيبان:
“الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي ونزعته التجديدية في التصوف دراسة تحليلية”
عنوان يفتح بابا على متاهة طاهرة فيها من نور المعرفة ما يكفي لاستعادة الأصول وفيها من دقة التحليل ما يكشف العصب الحي في فكر الرجل.
فالشيخ محمد سعيد رمضان البوطي ليس مجرد عالم مر على تاريخ الفكر الإسلامي بل هو قامة روحية وفلسفية أثبتت على مدى عقود أن التجديد لا يُهدم الموروث بل يُعيد إليه نضارته وأن التصوف ليس طريق الهروب من الحياة بل طريق الفهم العميق لها.
الباحث لا يقرأ نصوص البوطي قراءة باردة بل يتعامل معها ككائن حي ينبض بالمعنى ويقاوم التشويه ويُعيد تعريف علاقة الروح بالعقل والإنسان بالسماء والواقع بالمبدأ.
منهج يُذكر بأعمال الموسوعيين وقراءة تضيء الطبقات الخفية للفكر الصوفي
تتخذ الرسالة من التحليل الموضوعي طريقا ومن التأمل الروحي جناحا ومن الدقة المنهجية أساسا راسخا حيث يمضي الباحث ياسر محمد فتحي عبد الحميد في درسه كمن يمشي في حديقة لها بوابات متعددة:
باب للنصوص يُعيد ترتيبها وفق طبقاتها العميقة
باب للسياقات يُعيد التاريخ إلى مكانه
باب للواقع المعاصر حيث تُختبر صدقية المشروع التجديدي
وباب أخير يخص الباحث نفسه إذ يضع بصمته الفكرية على امتداد الدراسة
إنها قراءة تزاوج بين العمق والتحقيق وتُعيد للاجتهاد مكانته في زمن ضاعت فيه الأبجديات.
إشراف علمي رفيع قامات تقف خلف الباحث كالسند والعمدة
لا يستطيع بحث في حجم هذا الملف أن يقف وحده ولهذا تحيط الرسالة إشرافات من طرازٍ رفيع:
أ.د محمد محمود عبد الحميد أبو شنب
الذي يُعد مدرسة فكرية قائمة بصوت اللغة وبلاغتها وبحضور الأدب وموسيقاه.
أ.د ثروت حسن هبنة أحد أعلام الفلسفة والعقيدة صاحب البصمة التي لا تُمحى في قراءة النص وتحليل الفكرة.
إشرافان يُكسبان الرسالة وقارها وعمقها ويرفعانها من مجرد جهد بحثي إلى وثيقة فكرية قابلة للامتداد.
لجنة مناقشة من الطراز الأول يجلس على منصتها رجال حملوا راية العلم عقودا
ما يزيد المناسبة فخامة هو حضور لجنة مناقشة تشبه مجالس العلماء في عصور الازدهار:
أ.د محمد محمود أحمد هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر سابقا وصاحب الباع الطويل في التراث الإسلامي وعلومه الدقيقة.
أ.د عبد الغني الغريب طه المفكر المحقق وأستاذ العقيدة والفلسفة الذي لا يخلو حقل معرفي إلا وترك فيه أثرا يشهد له إن حضور هذه القامات لا يعني فقط تقييم الرسالة بل إعادة إحياء حوار علمي رفيع لم يعد يُشاهد إلا في الجامعات ذات الجذور الراسخة.
الباحث حين يجتمع وهج المنبر مع وقار البحث
الباحث ياسر محمد فتحي عبد الحميد أحمد ليس عابرا في دروب العلم بل هو رجل حمل رسالتين معا:
رسالة المنبر حيث يخاطب القلوب ويوقظ الضمائر ويرفع الناس إلى مراتب الوعي.
ورسالة الجامعة حيث يخاطب العقل ويقدمُ معرفة صافية ويشارك في تجديد الخطاب الديني من داخل بنيته العلمية فهو إمام مسجد الفتح أحد معالم الوعي في الزقازيق ومنارة لخطاب وسطي راسخ لا يعرف المغالاة ولا يعرف التفريط ومَن يجمع بين حرارة المنبر ورصانة البحث يقدم دائما عملا يشبهه: عميقا صادقا متينا ومحمّلا بروح رسالة لا تنطفئ.
جامعة الزقازيق وفية لرسالتها كدار علم وصوت تنوير
إن احتضان الجامعة لهذه الرسالة ليس حدثا عابرا بل هو استمرار لخط طويل من دعم:
البحث الرصين
وبناء العلماء
وإحياء الفكر الوسطي
وتعزيز قيم التسامح والتجديد
وتقديم نماذج شابة قادرة على حمل هذه الراية
والجامعة وهي تقف على أعتاب هذه الأمسية العلمية تؤكد من جديد أنها بيت العلم الواسع الذي لا يضيق بباحث، ولا يغلق أبوابه أمام فكرة جادة.
الأمسية ليست مجرد مناقشة بل حدث فكري يستدعي الحضور والإنصات
من المتوقع أن يشهد يوم السبت حضورا وافرا من أساتذة الجامعة وطلابها ومحبي الفكر الصوفي المعتدل حيث يجتمع:
جلال الموضوع
رصانة الرسالة
وقيمة الأساتذة
وحضور الباحث
وعمق مدرسة الشيخ البوطي
في سهرةٍ فكرية من تلك السهرات التي كانت تملأ قاعات الجامعات في العقود الذهبية للفكر العربي.
رسالة تُقدم إلى الوعي قبل أن تُقدم إلى اللجنة
إن هذه الرسالة ليست أوراقا تُناقش فحسب بل صرخة هادئة تُعيد التصوف إلى مقامه الحقيقي وتضع التجديد في موضعه الصحيح وتمنح العقل المسلم فرصة ليطل من جديد على آفاق النور.
إنها هدية من باحث واثق في جامعة راسخة تحت إشراف قامات عالية وفي مناسبة تستحق أن تُكتب بحبر لا يجف…








