بينما تترقب البلاد إعلان اللجنة المستقلة للانتخابات نتيجة جولة الإعادة في المرحلة الثانية، يظل الحديث هنا عن الوطن ككل، من الإسكندرية إلى أسوان، لا عن دائرة انتخابية بعينها ولا عن أشخاص بأسمائهم.
وبغضّ النظر عن أية نتائج، فإن الحقيقة الأهم التي ينبغي أن يدركها جميع النواب هي أن الشارع المصري سيكون في حالة متابعة دائمة للأداء البرلماني، لحظة بلحظة. فالكتلة التصويتية المؤثرة لم تتحرك بكامل طاقتها، وخرج منها جزء محدود فقط، ما يعني أن اختبار الثقة الحقيقي لم يبدأ بعد، وأن القادم قد يكون أكثر صعوبة، خاصة في ظل توجه واضح نحو أن يكون صندوق الانتخابات معبرًا عن الإرادة الشعبية دون تدخل.
هذا الواقع يفرض على مجلس النواب المقبل دورًا مختلفًا، يقوم على ممارسة الضغط الحقيقي والفاعل على الحكومة الجديدة التي ستتشكل عقب انعقاد المجلس، كما هو معمول به في النظم الديمقراطية الراسخة، أو تلك التي نسعى – ولو شكليًا – إلى الاقتراب من نموذجها. فالمواطن اليوم لم يعد ينتظر شعارات كبرى بقدر ما ينتظر حلولًا مباشرة لأزمات تمس حياته اليومية.
وفي مقدمة هذه الملفات العاجلة، يأتي ملف الصرف الصحي وتطهير مصارف الري على مستوى الجمهورية. فاستكمال هذه المشروعات خلال خمس سنوات لم يعد ترفًا، بل ضرورة وطنية ملحة بعد أن تسببت مياه الصرف الملوثة في تدمير صحة ملايين المواطنين، وأسهمت في انتشار أمراض خطيرة مثل الفشل الكلوي والسرطانات. إن تطهير الترع والمصارف يعني ببساطة إنقاذ صحة المواطن، وإعادة الاعتبار للريف المصري كمنتج لغذاء صحي وآمن.
الملف الثاني يتمثل في الدعم النقدي للخبز والتموين، وهو اتجاه أعلنت الحكومة الحالية بدء العمل عليه. ورغم ما يثيره هذا التحول من مخاوف، فإنه يستحق الدعم إذا ما نُفّذ وفق رؤية واضحة تضمن العدالة الاجتماعية. ويمكن الاستفادة من نماذج عالمية ناجحة، مثل تجربة بطاقات الغذاء( Food Stamps ) في الولايات المتحدة، مع تكييفها وفق الإمكانيات المصرية، والسماح باستخدام البطاقة التموينية في جميع المخابز، سواء البلدية أو الحرة، بما يخفف العبء عن المواطن، ويحقق انضباطًا ضريبيًا أكثر كفاءة.
أما الملف الثالث، فهو سلامة الغذاء والوقاية الصحية، انطلاقًا من القاعدة الراسخة: «درهم وقاية خير من قنطار علاج». فانتشار الزيوت النباتية المختلطة والمجهولة المصدر بات تهديدًا مباشرًا لصحة المواطنين، ويستلزم تدخلًا تشريعيًا حاسمًا يجرّم هذا النوع من الإنتاج. يجب أن تكون المنتجات واضحة المصدر والمكونات، سواء كانت زيت ذرة أو عباد أو غيره، مع تشديد الرقابة على مصانع “بير السلم” التي تعيد تدوير الزيوت المستعملة وطرحها في الأسواق، خاصة للمطاعم الشعبية، دون أدنى مراعاة للسلامة الصحية. وهنا يقع عبء كبير على هيئة سلامة الغذاء في الفحص والتحليل والمحاسبة.
ختامًا، فإن الملفات التي تنتظر البرلمان القادم كثيرة ومتشعبة، لكن النجاح الحقيقي سيقاس بمدى قدرة النواب على الانحياز لصحة المواطن وكرامته وجودة حياته. فالشعب لم يعد يكتفي بالمتابعة الصامتة، بل يراقب، ويحاسب، وينتظر أفعالًا لا أقوالًا.
حاتم السعيد عليوه
٢٤ ديسمبر ٢٠٢٥م








