يتأكد لنا أن اختيار وزارة الأوقاف لموضوع «قيمة الاحترام» في خطبة الجمعة لم يكن مجرد عنوان وعظي تقليدي ولا استدعاء أخلاقيا مكررا من دفاتر النصح القديمة بل جاء كتشخيص مباشر ودقيق لواقع عام يتآكل على مهل ويشهد انحدارا غير مسبوق في الخطاب والسلوك حتى باتت الوقاحة صوتا عاليا وقلة الأدب وسيلة والتجريح طريقا مختصرا لتحقيق المكاسب السياسية الرخيصة.
نحن لا نعيش أزمة اختلاف في الرأي كما يروج متصدرو مشهد الهيافة والحقارة والايذاء ولا خلافا طبيعيا في وجهات النظر بل نواجه مشهدا أخطر الا وهو تحول القبح إلى حالة منظمة والسفالة إلى نشاط مُدار والضجيج إلى أداة مقصودة لإرباك الوعي وتشويه الحقائق.
في هذا السياق بدا حديث المنابر عن «الاحترام» والذى تم التوافق عليه وكأنه وقفة واجبة وصرخة هادئة في وجه عاصفة من الفوضى الأخلاقية.
اللافت أن الخطبة المخصثة لن تُلقى اللوم على الأفراد فقط بل سوف تلامس الجوهر العميق للأزمة حيث لم تعد الوقاحة سلوكا عشوائيا وإنما أصبحت جزءا من منظومة أكبر تضم صفحات ومجموعات وإدارات إلكترونية تعمل وفق أجندات معروفة وتمويلات موجهة وغرف إدارة خفية ومهام موزعة بدقة هدفها نشر التجريح واغتيال السمعة وتضليل الرأي العام والانتصار للفاسدين والغوازى وتبرير الباطل لا بدافع قناعة فكرية ولا ارضاء لله ورسوله ولا انتصارا لقيمة قيمية او اخلاقية او دينية او انسانية بل طمعا للاسف في منافع سياسية ومكاسب آنية.
هذه اللجان الإلكترونية لا تتحرك بعشوائية بل تعمل بمنطق الخلايا حسابات وهمية بأسماء مستعارة صور مسروقة وسير ذاتية مفبركة وخيال مريض وتصرفات مريبة ومحتوى مقزز وغادر وجبان ..هذه الخلايا تُدار من خلف الشاشات لتصنع رأيا زائفا وتوهم الناس بوجود حالة عامة غاضبة أو تيار كاسح بينما الحقيقة أنها مجرد أصوات مصطنعة تُضخ عمدا بمنتهى القذارة والخسة لإرباك المشهد.
تكمن خطورة هذه الصفحات الفيك في قدرتها على خلط الحق بالباطل فهي لا تكتفي بالسباب بل تصنع روايات وتلفق وقائع وتعيد تدوير الأكاذيب حتى تبدو وكأنها حقائق مستقرة مستغلة سرعة التداول وضعف التدقيق وحالة الاحتقان العام.
هنا تتحول الوقاحة من مجرد إساءة لفظية إلى أداة هدم ممنهجة ،فتنة يعنى، تستهدف الأشخاص والمؤسسات معا وتعمل على كسر الثقة وضرب الرموووز وإشاعة الشك تمهيدا لتمرير مصالح بعينها أو تصفية حسابات سياسية ضيقة.
هنا تتضح دلالة اختيار الموضوع فحين تتحدث الأوقاف عن الاحترام فهي لا تخاطب المصلين فقط بل تخاطب الفضاء العام كله وتبعث برسالة مفادها أن ما يجري لم يعد خلافا صحيا بل تجاوز كل الخطوط الحمراء وأن السكوت عنه لم يعد مقبولا. الاحترام في هذا السياق ليس قيمة أخلاقية مجردة بل أداة لضبط الإيقاع العام وبمثابة حدّ فاصل بين الحرية والفوضى وبين النقد المشروع والتشويه المتعمد.
لقد بات واضحا أن هناك من يتعمد خلط الأوراق وتحويل السباب إلى بطولة والتطاول إلى شجاعة وقلة الدين إلى نوع من «الجرأة» المزعومة هؤلاء لا يرون في الاحترام قيمة بل عائقا أمام مشاريعهم لأن الاحترام يفضحهم ويجرد خطابهم من الصخب الزائف ويعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي الا وهو حجة تُناقش ورأي يُرد عليه لا شتيمة تُطلق ولا عرض يُنتهك.
من هنا يمكن قراءة خطبة الجمعة بوصفها مواجهة غير مباشرة مع هذه الحالة مواجهة هادئة لكنها عميقة لم تسمِّ أشخاصا لكنها وصفت واقعا ولم ترفع صوتها لكنها أصابت الهدف فالرسائل الأخلاقية حين تأتي في توقيتها تصبح أكثر تأثيرا من أي خطاب سياسي مباشر.
الاحترام الذي دعت إليه الأوقاف ليس ضعفا ولا خضوعا ولا دعوة للصمت بل هو الإطار الذي يجعل الخلاف ممكنا دون أن يتحول إلى صراع قذر وهو ما يحفظ للمجتمع تماسكه وللنقاش معناه وللسياسة حدها الأدنى من الشرف وحين يغيب هذا الإطار تتحول الساحة إلى غابة يأكل فيها الأقوى سمعة الأضعف ويعلو فيها صوت الفاسد لأنه الأكثر جرأة على الكذب.
ولعل المفارقة اللافتة أن أكثر الأصوات اعتراضا أو سخرية من خطبة «قيمة الاحترام» كانت هي ذاتها الأصوات التي تعيش على نقيض هذه القيمة فالغضب من الدعوة إلى الأدب يكشف في حد ذاته أزمة أخلاقية ويؤكد أن الخطبة أصابت موضع الألم الحقيقي.
إن ما يحدث اليوم من تجارة للسفالة السياسية ومن توظيف للوقاحة كأداة ضغط وتشويه لا يهدد الأفراد فقط بل يهدد فكرة المجتمع ذاتها فالدولة لا تُبنى فقط بالقوانين والمؤسسات بل تُبنى أيضًا بمنظومة قيم تحكم السلوك العام وتحمي الاختلاف من الانفجار وتحول دون انزلاق السياسة إلى مستنقع الأخلاق المنهارة.
من هذا المنطلق يمكن اعتبار اختيار «قيمة الاحترام» محاولة جادة وناجحة لوضع حد أخلاقي أمام هذا الانحدار وتذكير الجميع بأن الحرية بلا مسؤولية فوضى وأن النقد بلا أخلاق تشويه وأن السياسة بلا قيم مجرد صراع مصالح عارية.
حقيقى هي رسالة في توقيت صعب لكنها ضرورية رسالة تقول إن المجتمع الذي يفقد احترامه لنفسه يفقد قدرته على التمييز بين الحق والباطل وإن الوقوف في وجه الوقاحة المنظمة لا يكون فقط بالقوانين بل أيضا بإحياء القيم وعلى رأسها قيمة الاحترام باعتبارها آخر خطوط الدفاع عن الوعي والذوق العام ومعنى العيش المشترك.








