منذ تولّي الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية قيادة الدولة المصرية، تميّز خطابه السياسي بقدر كبير من الصراحة والمباشرة، وهي سمة نادرة في زمن تميل فيه الخطابات الرسمية إلى التجميل والمراوغة.
لقد اعتاد الرئيس أن يُصارح المواطنين بالتحديات قبل الإنجازات، وبالضغوط قبل الوعود، فصنع بذلك حالة خاصة من الثقة والقبول الشعبي، حتى في أصعب القرارات وأكثرها قسوة
هذا النمط من التواصل الصادق هو أحد أسرار المحبة المتأصلة التي يحظى بها الرئيس في الشارع المصري؛ إذ يشعر المواطن أن من يحدثه لا يتحدث من برج عاجي، بل من موقع المسؤولية والشراكة، لا الوصاية.
غير أن هذه الروح، ومع كامل التقدير، لا تنعكس دائمًا على أداء عدد من المحافظين.
ففي كثير من المحافظات، يغلب الطابع الإداري البحت على الأداء التنفيذي؛ إدارة ملفات، متابعة مشروعات، إصدار بيانات رسمية جافة، مع غياب واضح للتواصل السياسي المباشر مع المواطنين.
وفي مرحلة كهذه، لم يعد ذلك كافيًا.
نحن نعيش مرحلة استثنائية، إقليميًا ودوليًا، تتشابك فيها التحديات الاقتصادية مع الضغوط الاجتماعية، ويتراجع فيها تأثير القرار غير المشروح أمام سطوة الشائعة وسرعة المنصات الرقمية.
وهنا تصبح السياسة ضرورة، لا ترفًا.
إن المحافظ اليوم لم يعد مجرد مدير محلي، بل هو ممثل الدولة الأول أمام المواطن، وحلقة الوصل المباشرة بين القيادة السياسية والشارع.
ومهمته لا تقتصر على تنفيذ الخطط، بل تمتد إلى إدارة المزاج العام، واحتواء القلق، وشرح القرارات، وبناء الثقة.
ومن هذا المنطلق، ومع حركة المحافظين المرتقبة، تبرز الحاجة إلى اختيار قيادات محلية تمتلك خلفية سياسية حقيقية، وقدرة تنظيمية، وخبرة في التعامل الجماهيري، وفهمًا لطبيعة الشارع المصري وتحولاته.
فالمحافظ ذو الفكر السياسي يستطيع أن يتواصل، وأن يقنع، وأن يسبق الأزمة، بينما قد ينجح الإداري في ضبط الأرقام دون أن ينجح في ضبط الإيقاع العام.
إن الدعوة إلى محافظين ذوي خلفية سياسية لا تحمل أي انتقاص من قيمة الكفاءات الفنية أو الإدارية، بل هي قراءة دقيقة لطبيعة المرحلة، واختيار للأدوات الأنسب لها.
فلكل مرحلة رجالها، ولكل تحدٍ أدواته.
سيادة الرئيس، إن الدولة التي تقودونها اليوم تحتاج، على المستوى المحلي، إلى قيادات تشبه خطابكم في صراحته، وقربه من الناس، وقدرته على المواجهة لا الاكتفاء بالإدارة.
إنها مرحلة سياسية بامتياز،
ومصر – كما كانت دائمًا – قادرة على الاختيار الصحيح.








