مع كامل الاحترام للدكتور حسام بدراوي ولتاريخه المهني والفكري والسياسى فإن النقاش حول السنة النبوية لا يجوز أن يُدار بمنطق الانطباع أو الاختزال ولا أن يُحسم بجُمل عامة تُلقي الشك دون أن تُقيم الدليل. فالسنة يادكتور ليست مجرد نصوص تاريخية هامشية بل هي أحد أعمدة البناء الحضاري والفكري والديني للأمة الإسلامية وأي تناول لها يفرض على صاحبه التزاما صارما بقواعد البحث العلمي والإنصاف العقلي لا بروح الهدم أو الإثارة.
أولا: الخلط بين “الكتابة” و“التوثيق” خطأ منهجي
فالقول بأن السنة غير مُلزِمة أو غير موثوقة لأنها لم تُكتب كتابة رسمية منذ اللحظة الأولى هو خلط بين مفهومين مختلفين
فالكتابة وسيلة من وسائل التوثيق لكنها ليست الوسيلة الوحيدة ولم تكن في أي حضارة قديمة هي الأساس الأوحد لحفظ المعرفة بل إن البشرية اعتمدت لقرون طويلة على الحفظ والنقل الشفهي وضبط الرواية قبل أن تصبح الكتابة شائعة وميسّرة.
ثانيًا: العقل البشري نفسه يقوم على قبول الخبر فالعقل الذي يُطالب برفض السنة بحجة النقل هو نفس العقل الذي يبني معظم معارفه اليومية على الأخبار المنقولة:
– نؤمن بالتاريخ رغم أننا لم نشهد أحداثه.
– نثق في الطب رغم أننا لم نُجرِ كل التجارب بأنفسنا.
– نُسلّم بالقوانين والعلوم لأن الثقات نقلوها إلينا.
فإن كنا نقبل الخبر الصادق في كل مجالات الحياة فكيف نرفضه فقط حين يتعلق برسول الإسلام؟
ثالثًا: علم الحديث ليس سردا عاطفيا بل منظومة نقد صارمة
ما يتجاهله كثير من المشككين هو أن الأمة الإسلامية أنشأت أعقد منظومة نقد تاريخي عرفتها البشرية:
– نقد الرجال (الجرح والتعديل).
– نقد الأسانيد.
– نقد المتون.
– المقارنة بين الروايات.
– اشتراط العدالة والضبط والاتصال.
وهي قواعد لم تُطبق بهذه الصرامة على أي تراث ديني أو تاريخي آخر.
فهل يُعقل أن تُختزل كل هذه الجهود في جملة: “لم تُكتب مبكرًا”؟
رابعًا: الزعم بأن السنة دُوّنت بعد 300 سنة غير دقيق علميا
التدوين الرسمي الموسع نعم جاء لاحقا لكن:
– الكتابة وُجدت في عصر النبي نفسه.
– بعض الصحابة كتبوا بإذنه.
– وُجدت صحف حديثية مبكرة مثل صحيفة عبد الله بن عمرو.
– ثم جاء التدوين المنهجي لاحقا لضبط ما حُفظ وتُناقِل بدقة.
فالفرق كبير بين “عدم الوجود” و“عدم التنظيم الرسمي”.
خامسًا: منطق “الاكتفاء بالقرآن” يهدم نفسه بنفسه
القرآن نفسه أمر باتباع الرسول وطاعة أوامره والاقتداء به.
والقرآن لم يأتِ بتفاصيل العبادات ولا المعاملات ولا الحدود ولا أنظمة الأسرة.
فإما أن نُقر بالسُّنة مفسِّرة وشارحة أو نُقر عمليا بعجزنا عن تطبيق القرآن.
ولا يمكن الجمع بين تعظيم القرآن عمليا ونسف أداته التفسيرية الوحيدة.
سادسًا: السنة ليست منافسا للعقل بل ضابطا له
السُّنة لا تلغي العقل بل تهذّبه ولا تُصادر التفكير بل تمنع العبث.
والفرق كبير بين عقلٍ ناقد وعقلٍ ناقم.
فالنقد العلمي يدرس ويُمحّص أما الهدم فيبدأ بالنتيجة ثم يبحث لها عن مبررات.
سابعًا: خطر التشكيك غير المنضبط
التشكيك في السنة ليس مسألة أكاديمية بريئة بل له آثار خطيرة:
– تفريغ الدين من مضمونه العملي.
– فتح الباب لتديّن فردي مشوَّه.
– تحويل النص الديني إلى مادة مزاجية.
– إسقاط المرجعية لصالح الأهواء.
وأخطر ما في الأمر أن هذا المسار لا يتوقف عند السنة بل ينتهي بالتشكيك في كل شيء.
ثامنًا: الإنصاف يفرض التمييز لا التعميم
نعم هناك أحاديث ضعيفة.
ونعم هناك روايات اختلف العلماء حولها.
لكن المنهج العلمي يميّز ولا يُلغِي وينقّح ولا ينسف ويُصلِح ولا يُدمّر.
يا دكتور حسام باشا افندى
القضية ليست دفاعا أعمى عن التراث ولا رفضا أعمى للتجديد بل هي دعوة للعدل العلمي والتفريق بين النقد والبتر وبين المراجعة والهدم.
السنة لم تعش أربعة عشر قرنا لأنها هشة
بل لأنها خضعت لأدق معايير الفحص وصمدت أمام عقولٍ أعظم ونقاشات أعمق وأسئلة أقسى.
وإعادة النظر يادكتور فضيلة لكن بشرط أن تكون بعين الباحث لا بمعول الهادم.








