في السياسة ليست كل اللحظات قابلة للاجتهاد او للفهلوة فهناك لحظات يحسمها النص قبل أي تأويل ويغلق فيها الدستور باب الظن ويفتح باب الالتزام وحديث التغيير الوزاري في هذه المرحلة ينتمي إلى هذا النوع من اللحظات الفاصلة التي لا تُقرأ بالرغبة ولا بالتوقع بل بما استقر عليه الدستور وما تفرضه قواعد النظام السياسي.
التغيير الوزاري هنا لا يُطرح بوصفه مناورة سياسية ولا كاستجابة لضغط إعلامي أو مزاج عام بل باعتباره استحقاقا مرتبطا مباشرة بانتخابات برلمانية أُنجزت ومجلس نواب اكتملت شرعيته وأصبح صاحب الاختصاص الأصيل في منح أو حجب الثقة.
كثير من الجدل الدائر حاليا ينطلق من سؤال يبدو بسيطا في ظاهره هل التغيير الوزاري بعد الانتخابات البرلمانية إلزام دستوري أم مجرد عرف سياسي قابل للتجاوز؟
والإجابة لمن يقرأ النص بهدوء أبعد ما تكون عن الالتباس.
المادة (146) من الدستور لم تترك الأمر مفتوحا للاجتهاد بل وضعت إطارا صارما للعلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية يبدأ بتكليف رئيس مجلس الوزراء ويمر بتشكيل الحكومة ولا يكتمل إلا بعرض برنامجها على مجلس النواب والحصول على ثقته خلال مدة زمنية محددة وهنا تتضح نقطة جوهرية يغفلها البعض عمدا أو سهوا وهى ان الثقة البرلمانية ليست مرتبطة بالأشخاص فقط بل بالبرنامج قبل كل شيء.
فحتى إعادة تكليف رئيس الحكومة الحالي الدكتور مصطفى مدبولى إن حدثت لا تعني تلقائيا استمرار الحكومة بذات تشكيلها وإنما تعني دستوريا بدء دورة جديدة تفرض عرض رؤية جديدة أو مُحدَّثة ومناقشتها وتحميل أصحابها مسؤولية تنفيذها.
الدستور في هذا السياق لا يتعامل مع الحكومة باعتبارها كيانا دائما بل باعتبارها سلطة تنفيذية تخضع للتقييم والمساءلة مع كل دورة نيابية جديدة.
ومن ثم فإن الحديث عن الاكتفاء بتعديل محدود أو “ترقيع وزاري” دون المرور الكامل بالإجراءات الدستورية يصبح حديثا سياسيا لا سند له من النص.
اللافت أن هذا الجدل يكشف أزمة أعمق في الثقافة السياسية حيث يختلط العرف بالنص وتُقدَّم الاعتبارات العملية أحيانا على القواعد الدستورية وكأن الدستور خيار يمكن الالتفاف حوله إذا ضاقت المساحات أو تعقدت الحسابات.
لكن الواقع أن المرحلة الراهنة لا تسمح بهذا الترف فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الدولة تتطلب حكومة تملك تفويضا سياسيا واضحا وبرنامجا معلنا وثقة برلمانية صريحة لا حكومة تعمل بمنطق الاستمرارية الصامتة أو إدارة الأزمات بالمسكنات.
ومجلس النواب من جانبه ليس مجرد محطة عبور شكلية بل شريك أصيل في صناعة القرار ومسؤول أمام الرأي العام عن منح الثقة أو سحبها وعن مناقشة البرنامج بندا بندا لا مجاملة فيه ولا مواربة.
التغيير الوزاري الحقيقي إن كُتب له أن يحدث لا يُقاس بعدد الوزراء الذين يغادرون أو يبقون بل بمدى التحول في طريقة التفكير وأسلوب الإدارة وقدرة الحكومة على تقديم حلول قابلة للتنفيذ لا شعارات إنشائية تُعاد صياغتها مع كل أزمة.
أما إن اختارت الدولة إعادة تكليف رئيس الحكومة الحالي فإن ذلك يحمّله مسؤولية مضاعفة مسؤولية التقييم الصريح لما جرى والاعتراف بما تعثر وتقديم برنامج يعكس دروس المرحلة السابقة لا مجرد إعادة إنتاجها بأسماء جديدة.
وفي حال اختيار رئيس حكومة جديد فالمعيار لا يجب أن يكون عنصر المفاجأة أو كسر التوقعات بل وضوح الرؤية وتكامل الفريق والقدرة على العمل تحت قبة البرلمان بمنطق الشفافية لا المناورة.
في المحصلة نحن لسنا أمام سؤال هل يحدث تغيير وزاري أم لا؟ بل أمام سؤال أدق وأخطر هل نُحسن قراءة الدستور ونُحسن احترامه أم نختزل النصوص في أعراف قابلة للتأويل حسب الظرف؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل الحكومة القادمة وحدود دور البرلمان ومعنى الشراكة السياسية في مرحلة لا تحتمل الالتباس ولا التجريب.
بقى ان اشير الى اننى حتى لحظة كتابتى لمقالى هذا قراءة حضراتكم لسطورى هذه هل كانت الحكومة قد تقدمت باستقالتها بالفعل أم لا لكن المؤكد أن مصر كلها تعيش على إيقاع سؤال واحد هل نحن أمام تغيير وزاري شامل أم تعديل محدود يطال بعض الوجوه دون المساس بجوهر المشهد؟
ويقينى بان حديث التغيير الوزاري لا يأتي هذه المرة من فراغ ولا يُدار في الغرف المغلقة فقط بل يفرض نفسه فرضا مع اكتمال الاستحقاق النيابي وبدء دورة برلمانية جديدة تفرض بدورها تساؤلات دستورية وسياسية لا يمكن القفز فوقها أو التعامل معها بمنطق المجاملة أو التسويف.
الشارع يتساءل والنخب تفسر والمحللون يجتهدون بين من يراه تغييرا واجبا بحكم الدستور ومن يراه عرفا سياسيا قابلا للتأجيل أو الالتفاف وبين من يراهن على بقاء الوضع كما هو مع بعض “الرتوش” الشكلية.
لكن بعيدا عن الضجيج فإن الفيصل الحقيقي كما قلت سلفا يظل هو الدستور لا التوقعات ولا الأمنيات.
فالمادة (146) من الدستور المصري جاءت حاسمة لا لبس فيها حين نصت بوضوح على أن رئيس الجمهورية يكلف رئيسًا لمجلس الوزراء بتشكيل الحكومة وعرض برنامجها على مجلس النواب والحصول على ثقة الأغلبية خلال مدة محددة.
وهنا جوهر القضية لا في أسماء الوزراء ولا في عدد الحقائب بل في مبدأ “الثقة البرلمانية” ذاته.
فالدستور لم يتحدث عن حكومة تعمل في فراغ ولا عن مجلس نواب يكتفي بدور المتفرج بل رسم علاقة واضحة تقوم على المحاسبة والبرنامج والالتزام السياسي أمام ممثلي الشعب.
وبالتالي ومع اكتمال تشكيل مجلس النواب الجديد يصبح لزامًا دستورا ومنطقا أن تُعاد الكرة من بدايتها
فإما إعادة تكليف رئيس الحكومة الحالي أو اختيار رئيس حكومة جديد وفي الحالتين لا مهرب من تشكيل حكومة جديدة أو مُعاد تشكيلها تتقدم ببرنامج واضح مكتوب قابل للنقاش وتطلب ثقة البرلمان صراحة لا مواربة.
وهنا يختلط الدستوري بالسياسي فهل تكتفي الدولة بتعديل وزاري محدود يُرضي الشكل دون الجوهر؟ أم تتجه إلى تغيير أوسع يعكس قراءة حقيقية لاحتياجات المرحلة وتحديات الاقتصاد، وضغوط الشارع ومتطلبات الأمن القومي؟
غالتغيير الوزاري في جوهره ليس استعراضا إعلاميا ولا لعبة أسماء بل رسالة سياسية.
رسالة تقول إن الدولة تسمع وتراجع وتصحح أو تقول – في المقابل – إن الاستمرارية هي الخيار الأنسب في هذه اللحظة.
لكن الخطورة الحقيقية ليست في التغيير أو عدمه بل في أن يأتي أي تغيير بلا رؤية أو بلا برنامج مقنع أو بلا ربط واضح بين المسؤولية والمحاسبة.
وكما يقول ويردد ويعلق قرائى عليا المرحلة القادمة لا تحتمل وزراء “إدارة يوم بيوم” ولا تحتمل سياسات رد الفعل ولا خطابات مطاطة تفتقد الأرقام والجداول الزمنية.
نحن أمام ملفات ثقيلة تتمثل فى اقتصاد عالمي مضطرب ضغوط تضخمية ملفات خدمات متراكمة وانتظارات شعبية مشروعة تبحث عن نتائج لا وعود.
ومن هنا فإن عرض برنامج الحكومة على مجلس النواب يجب ألا يكون إجراء شكليا لاستكمال النص الدستوري بل لحظة سياسية فاصلة تُطرح فيها الأسئلة الصعبة وتُحدد فيها الأولويات ويُقاس فيها مدى الجدية والقدرة على الإنجاز.
فالثقة البرلمانية ليست توقيعا على بياض بل عقدا سياسيا بين الحكومة والشعب ممثلًا في نوابه.
كما أن إعادة التكليف إن حدثت لا تعني إعادة إنتاج المشهد نفسه بل يجب أن تعني تصحيح المسار وتقييم الأداء ومكاشفة حقيقية بما تحقق وما تعثر ولماذا.
أما إن تم اختيار رئيس حكومة جديد فالأمر يتجاوز الأسماء إلى الفلسفة الحاكمة للإدارة وطبيعة الفريق الوزاري وقدرته على العمل الجماعي لا كجزر منفصلة بل كمنظومة واحدة تعرف ماذا تريد وإلى أين تتجه.
في النهاية التغيير الوزاري ليس هدفا في حد ذاته بل وسيلة. نعم وسيلة لاستعادة الثقة وضخ دماء جديدة وربط النص الدستوري بالواقع السياسي وتحويل البرلمان من منصة تصفيق أو اعتراض إلى شريك حقيقي في بناء الدولة.
ويبقى السؤال الأهم الذي سيحكم على أي تغيير قادم هل نحن فعلا أمام تغيير يليق بحجم اللحظة أم مجرد حركة في الصورة دون مساس بالمضمون؟
الأيام وحدها ستجيب لكن الدستور قال كلمته والتاريخ لا ينسى كما ان مقالى هذا لله وللاجيال وللتاريخ ..








