نقولها بوضوح ومن غير مواربة بقاء الدكتور مصطفى مدبولي رئيسا لمجلس الوزراء ليس مجاملة ولا قرارا شكليا ولا حسابات سياسية ضيقة بل استحقاق دولة وتجربة حكم اجتازت أخطر اختبار عرفته مصر منذ عقود طويلة فالدول لا تُقاس بنجاحها في أوقات الرخاء بل بقدرتها على البقاء واقفة حين تتكالب الأزمات وتنهار من حولها اقتصادات كانت تُصنف بالأمس القريب كقلاع حصينة.
عندما نحاكم حكومة لا يصح أن نحاكمها وهي تعمل في أجواء مستقرة أو مناخ مواتٍ
لما نحكم على حكومة ماينفعش نحكم عليها وهي في جو ربيع وهدوء لكن لازم نشوفها وهي واقفة في قلب العاصفة د. مصطفى مدبولي لم يُدِر دولة مستقرة أو اقتصادا في حالته الطبيعية بل أدار دولة مثقلة بتركة ثقيلة وعدد سكاني متضخم وضغوط عالمية غير مسبوقة وموجات لجوء تجاوزت الـ15 مليون لاجئ وضيف يعيشون ويتعلمون ويتعالجون ويأكلون من نفس موارد الدولة المصرية. ورغم ذلك لم تسقط مصر ولم تفقد تماسكها، ولم تتخلَّ عن قرارها السيادي.
حكومة مدبولي تسلمت المشهد بعد سنوات من الإصلاح الاقتصادي المؤلم لكنه كان إصلاحا ضروريا لا مفر منه واستكملت المسار في توقيت هو الأشد قسوة على الإطلاق. جائحة كورونا التي شلّت العالم وأسقطت اقتصاديات كبرى الحرب الروسية الأوكرانية التي أعادت رسم خريطة الطاقة والغذاء تضخم عالمي غير مسبوق خروج مفاجئ للأموال الساخنة اضطراب حاد في سلاسل الإمداد ومع كل هذه الزلازل المتتالية لم ينهااار الاحتياطي النقدي المصري بل صمد ثم عاد للارتفاع من جديد.
وهنا لا نتحدث عن أرقام صماء تُسرد في بيانات رسمية بل عن منهج إدارة دولة يعرف متى ينفق دون هلع ومتى يتحمل دون انكسار ومتى يرفض الانهيار حتى لو كان الثمن سياسيا أو شعبيا. هذه ليست إدارة بالصدفة بل إدارة واعية بطبيعة المرحلة وحدود الإمكانات وأولويات البقاء.
المقارنة هنا ليست للشماتة لكنها ضرورة للتاريخ. فحكومات ما بعد 2011 رغم حسن النوايا عند البعض أُديرت تحت ضغط الشارع والمطالب الفئوية فاستُنزفت خزينة الدولة وتآكل الاحتياطي النقدي وكادت مصر تفقد قدرتها على استيراد الغذاء والدواء. ثم جاء زمن “المسكنات” والودائع المؤقتة فبقيت الدولة واقفة على الحافة بلا رؤية إنتاجية ولا قدرة على الصمود طويلًا.
أما في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي ومع حكوماته المتعاقبة وعلى رأسها حكومة د. مصطفى مدبولي انتقلت الدولة من سياسة إطفاء الحرائق إلى إدارة المخاطر وبناء القدرة على الصمود طويل الأجل. لم يعد الهدف مجرد النجاة من الأزمة بل الخروج منها بأدوات أقوى وبنية أكثر صلابة ومؤسسات قادرة على التحمل.
واللافت والمهم أن الاحتياطي النقدي لم يرتفع لأننا لا نصرف بل لأنه يُدار بعقلانية رغم أننا نصرف. نصرف على بنية تحتية كانت شرطا أساسيا لجذب الاستثمار. نصرف على الصحة والتعليم، لأن الدولة لا تعيش بالأرقام وحدها. نصرف على شبكات الحماية الاجتماعية لأن الإصلاح لا يكتمل دون عدالة. نصرف على ملايين اللاجئين دون منٍّ أو دعاية ونصرف وسط أزمات عالمية خانقة… ومع ذلك الاحتياطي زاد وبلغ أرقاما غير مسبوقة في تاريخ مصر.
في هذا السياق تبرز بصمة مصطفى مدبولي بوضوح رئيس حكومة لا يبحث عن التصفيق ولا يبيع أوهاما ولا يخاطب الغرائز ولا يتاجر بالشعارات. رجل إدارة يومية شاقة يعرف أن الحكم ليس خطبة حماسية بل قرارات صعبة تُتخذ في صمت ويُحاسَب عليها التاريخ لا الهتاف. قد يختلف معه البعض وقد يتحفظ آخرون على بعض السياسات لكن أحدًا لا يستطيع إنكار قدرته على الإمساك بدفة الدولة في أصعب اللحظات.
ومن الإنصاف أن نقول إن هذه الحكومة في هذا التوقيت تحديدا ومع هذا الحجم الهائل من الضغوط الداخلية والخارجية هي الأقدر على الاستمرار لا المجازفة. فالدول لا تُدار بمنطق التجربة والخطأ في لحظات الخطر ولا بتغيير القبطان والسفينة وسط العاصفة.
الخلاصة التي يجب أن تُقال بوضوح نحن لا ندافع عن أشخاص بل عن منهج إدارة أثبت قدرته على حماية الدولة من السقوط. وبقاء الدكتور مصطفى مدبولي ليس تثبيتا للواقع بل تثبيتا لخبرة تراكمت وسط النار. ومن يعرف معنى الدولة يدرك أن الاستقرار في لحظات الخطر شجاعة لا جمود.








