*** ليس عيد الشرطة مجرد مناسبة رسمية نضعها في التقويم ولا ذكرى عابرة نستدعي فيها الشعارات بل هو لحظة وعي وطني نُعيد فيها قراءة التجربة ونُدرك فيها حجم ما نجا منه هذا الوطن وحجم ما يُحاك له في الخفاء.
في عيد الشرطة لا نحتفل فقط برجال الأمن بل نحتفل بفكرة الدولة نفسها وبقدرتها على البقاء وبصمودها أمام موجات الهدم التي لم تتوقف يومت وإن تغيّرت أدواتها وأقنعتها.
فهذا الوطن مصر لم يكن يوما بعيدا عن الاستهداف لكنه اليوم أقرب ما يكون إلى عين العاصفة لا لأن مؤامرات الخارج جديدة بل لأن أدوات الداخل صارت أخطر وأكثر دهاء وأكثر استعدادا لنهش لحم البلد وأهلها بلا رحمة.
نعم بيننا جماعات ضباع تعيش وسطنا تتنفس من هواء هذا الوطن لكنها لا تنتمي إليه ولا ترى فيه إلا فريسة تنتظر لحظة الانقضاض.
جماعات لا تؤمن بدولة ولا بوطن ولا بشعب بل تؤمن فقط بالتمكين ولو كان الثمن خراب الأرض ومن عليها.
وهنا لا بد من التسمية الواضحة إنهم جماعات الإسلاميسيست تجار الدين محترفو الفتنة سماسرة الدم الذين لم يعرف تاريخهم إلا الخراب ولم تنتهِ فترات حكمهم في أي مكان إلا بالفقر والموت والتشريد.
هؤلاء لا يحلمون بإصلاح ولا يسعون لعدالة بل قرة أعينهم أن يروا هذا الشعب منكسرا مشردا متصارعا بلا دولة تحميه ولا مؤسسات تضبط إيقاعه.
يعدون الناس بالجنة ولا يورثونهم إلا الجوع.
يرفعون راية الدين ويتركون خلفهم أنهار دم.
ومن هنا يصبح التريث واجبا وطنيا لا ضعفا
والتحذير ضرورة لا تخوينا والتفكير العميق فريضة لا ترفا.
لقد نجت مصر من أفعال الحمقى في يناير 2011 بمعجزة ربانية يشهد الله عليها ومعجزات الله لا تتكرر على هوى البشر.
وهمٌ كبير أن يظن أحد أن الوطن قادر على تحمل مغامرة جديدة أو فوضى أخرى أو موجة عبث ثانية.
فلا تنعقوا وراء كل ناعق ولا تنساقوا خلف كل من يرفع صوته ويُخفي سكينه ولا تظنوا أن الهدم بطولة ولا أن إسقاط الدولة فعل ثوري.
لسنا دولة بلا بديل ولا شعبا بلا مأوى ليس لنا بلد غير مصر ولا حيلة لنا سواها والله.
وإذا سقطت لا قدر الله فلن يكون هناك من يتحمّل ملايين اللاجئين المصريين ولن يفتح لنا العالم ذراعيه بل سيغلق حدوده ويتركنا للفوضى.
وهنا نفهم المعنى الحقيقي لعيد الشرطة
فالشرطة ليست فقط جهازا يلاحق الجريمة بل مؤسسة تحرس الدولة من السقوط وتمنع الفتنة قبل أن تتحول إلى دم وتحاصر الفوضى قبل أن تصير واقعا.
رجل الشرطة الحقيقي لا يحمي الشارع فقط بل يحمي فكرة الوطن لا يقف أمام الخارجين على القانون وحدهم بل أمام العابثين بالعقول والمحرّضين وصنّاع الكراهية ومهندسي الخراب الناعم.
في عيد الشرطة نُدرك أن الأمن ليس نقيض الحرية بل شرطها وأن الدولة القوية ليست عدوة الإنسان بل درعه الأخير وأن القانون حين يُطبق بضمير يتحول من أداة ردع إلى حارس للكرامة.
تحية لرجال الشرطة الذين فهموا أن المعركة اليوم ليست فقط مع مجرم يحمل سلاحا بل مع فكر يحمل قنبلة تحية لمن يقفون بين الوطن وبين سيناريوهات الفوضى التي رأيناها في دول قريبة ولم نرَ منها إلا الخراب.
إن أخطر ما تواجهه مصر الآن ليس أزمة اقتصادية ولا ضغطا خارجيا بل حالة الاندفاع الأعمى وغياب الذاكرة وتكرار أخطاء ظننا أننا تعلمنا منها.
ولهذا كان عيد الشرطة رسالة لا احتفالا.
تنبيها لا مجرد تحية دعوة للعقل لا للاندفاع.
تحية لشرطة مصرحراس الدولة وسدّها الأخير في وجه الفتنة وصمّام الأمان حين يختلط الصراخ بالحقيقة وكل عام ومصر بخير وكل عام والوعي أقوى من الفوضى والدولة أصلب من الضباع.
وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن الدول لا تسقط فقط حين تضعف مؤسساتها بل حين يغيب وعي شعوبها.
فالشرطة تحمي الشارع وتحرس القانون وتمنع الفوضى لكن الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأعمق وهو السد الذي إن انهار لا تنفع بعده قوة ولا مؤسسات.
الدولة القوية هي تلك التي تتكامل فيها أدوار السلطة مع إدراك الناس فيفهم المواطن أن رجل الشرطة ليس خصما بل شريكًا في حماية المصير ويفهم رجل الأمن أن احترام الإنسان هو جوهر الاستقرار.
وحين يلتقي أمن واعٍ بدولة مسؤولة وشعب مدرك لحجم التحديات تسقط كل مخططات الفتنة ويُهزم تجار الشعارات وتبقى مصر واقفة لا تُدار بالانفعال ولا تُختطف بالصوت العالي بل تُحمى بالعقل وتصان بالوعي وتستمر بإرادة شعب يعرف قيمة الدولة ويعرف أن الحفاظ عليها هو أقدس معارك البقاء…








