*** في الدول العادية يُقاس الأمن بعدد الدوريات، وفي الدول الهشّة يُقاس بالخوف أمّا في الدول العريقة فيُقاس بميزان أدقّ ميزااان النبل.
والنبل هنا ليس صفة أخلاقية مجردة بل سياسة دولة ومنهج حكم وفلسفة وجود
لهذا لا يأتي عيد الشرطة في مصر كطقس احتفالي ولا كمناسبة بروتوكولية بل كوقفة مراجعة وطنية نُعيد فيها تعريف العلاقة بين السلطة والإنسان وبين الدولة والمجتمع وبين القوة والضمير.
عيد الشرطة هو عيد من اختاروا الطريق الأصعب وهو أن يحملوا السلاح دون أن يفقدوا إنسانيتهم وأن يمتلكوا السلطة دون أن تُفسدهم وأن يطبقوا القانون دون أن يتحولوا إلى أدوات قسوة.
النبل كجوهر للعمل الشرطي
العمل الشرطي في جوهره ليس مهنة ضبط فقط بل فن ضبط النفس فالشرطي النبيل هو من يعرف متى يَحسم ومتى يحتوي ومتى يتراجع خطوة ليمنع انفجارا أو فتنة أو دما بلا ضرورة.
وهنا يصبح النبل عنصر أمن قومي لأن غياب النبل يحوّل السلطة إلى عبء وغيابه في لحظات الاحتقان قد يفتح أبوابا لا تُغلق.
الشرطة النبيلة لا تبحث عن الاستعراض ولا تُمارس قوتها لإثبات ذاتها بل تُمارسها لحماية فكرة الدولة نفسها.
الشرطة كحارس لفكرة الدولة
في السنوات الأخيرة لم تعد التهديدات التي تواجه الدول تهديدات تقليدية لم تعد المعركة فقط مع مجرم يحمل سلاحا بل مع تنظيمات تحمل أفكارا ومع جماعات تعيش بين الناس لكنها لا تنتمي إليهم.
جماعات ترى في انهيار الدولة فرصة وفي الفوضى غاية وفي خراب الأوطان مشروعا سياسيا.
وهنا لم تعد الشرطة جهازا لضبط الجريمة فقط بل خط الدفاع الأول عن فكرة الدولة الوطنية في مواجهة محاولات تحويل الوطن إلى ساحة صراع مفتوحة.
عيد الشرطة هو عيد من وقفوا في تلك المساحة الرمادية الخطيرة بين الغضب الشعبي المشروع وبين الاستثمار الخبيث في هذا الغضب.
الوعي الشعبي الشريك الخفي للأمن
ومع ذلك فإن أخطر وهم يمكن أن تقع فيه أي دولة هو الاعتقاد بأن الأمن مسؤولية مؤسسة واحدة فالأمن الحقيقي يُصنع بتكامل ثلاثي
شرطة واعية ودولة مسؤولة وشعب مدرك لحجم ما يُحاك حوله.
الوعي الشعبي ليس شعارا بل قدرة على التمييز وعلى قراءة اللحظة وعلى عدم الانسياق خلف كل صوت مرتفع أو خطاب عاطفي أو وعد كاذب.
لقد دفعت مصر ثمن غياب هذا الوعي ذات يوم ونجت بفضل الله من سيناريو كان يمكن أن يُنهي الدولة نفسها والمعجزات لا تُبنى عليها سياسات ولا يُعاد اختبارها باندفاع.
النبل في مواجهة دعاة الفوضى
في كل مرة تماسك فيها هذا الوطن كان هناك من يغضب لأن هناك من لا يرى في مصر إلا غنيمة وهناك من لا يعيش إلا على الفوضى وهناك من لا يتنفس إلا في الفراغ.
هؤلاء لا يؤمنون بوطن ولا يعترفون بدولة ولا يحزنهم خراب الناس بل يفرحون به.
وهنا تتجلى قيمة الشرطة النبيلة فى انها تمنع الفوضى قبل أن تتحول إلى دم وأن تُفشل المخطط قبل أن يصبح واقعا وأن تقف بين الشعب وبين من يريدون به سوءا حتى لو اختبأوا خلف شعارات براقة.
هيبة الدولة ليست قسوة
من أخطر الأكاذيب التي تُروّج دائما أن هيبة الدولة تعني القسوة وأن الحسم يعني البطش.
والحقيقة أن هيبة الدولة هي عدلها وأن أقسى ما يمكن أن تواجه به الفوضى هو دولة عادلة لا دولة مترددة.
الشرطة التي تعمل في ظل دولة تعرف ماذا تريد وتعرف متى تحسم ومتى تشرح ومتى تصارح شعبها هي شرطة قادرة على الصمود دون أن تنكسر علاقتها بالمجتمع.
لماذا عيد الشرطة عيد النبلاء؟
لأنه عيد من فهموا أن الوطن ليس مجرد حدود بل بشر وأن حماية البشر لا تكون دائما بالقوة بل أحيانًا بالحكمة وأحيانا بالصبر
وأحيانا بالمنع المبكر للكارثة.
عيد الشرطة هو عيد من يعملون في صمت
ويتحملون غضبت لا يستحقونه أحيانا ويُلامون على أخطاء الدولة كلها ومع ذلك يستمرون.
في عيد الشرطة لا نطلب تصفيقا ولا نُقدّم شيكا على بياض لكننا نُقرّ بحقيقة واحدة
أن هذا الوطن في لحظات كثيرة كان يمكن أن يسقط لولا رجال نبلاء وقفوا في المنتصف ومنَعوا السقوط.
كل عام وشرطة مصر بخير كل عام والنبل هو السلاح والوعي هو الدرع والدولة هي الباقية…








