بالأرقام والمستندات..قرارات موقعة منذ سنوات تُجمَّد وزملاء خرجوا للمعاش وصُرفت حقوقهم وآخرون يُحرمون دون سند قانوني تحويل إداري أم إهدار حقوق؟
مستحقات نهاية خدمة مثبتة رسميا تُعلق رغم وضوح القرار وازدواج التطبيق
سؤال بالأرقام لا بالشعارات لماذا تُصرف مستحقات القيادات وبعض المحالين للمعاش بينما تُجمد نفس الحقوق لآلاف العاملين؟
تحقيق احمد عسله
في كل مرة تتحدث فيها الدولة عن حماية حقوق العاملين وعن ترسيخ العدالة الاجتماعية يبرز على السطح ملف «عمال كهرباء الريف» بوصفه اختبارا حقيقيا للفارق بين النصوص المعلنة والتطبيق الفعلي قضية ممتدة مكتملة الأركان، لا تقوم على ادعاءات مرسلة، وإنما على مستندات رسمية، ووقائع ثابتة وأرقام صادمة وسوابق مماثلة داخل قطاع الكهرباء نفسه فضلًا عن كيلٍ واضح بمكيالين وغياب عدالة لا يمكن إنكاره.
لم يكن عمال كهرباء الريف في يوم من الأيام أصحاب مطالب استثنائية، ولا سعوا إلى امتياز خارج إطار القانون ولا طالبوا بمنحة أو مجاملة كل ما طالبوا به هو حق ثابت موثق بعقود، ومحصَّن بالقانون ومدعوم بسوابق صرف لزملاء لهم داخل القطاع ذاته. ومع ذلك، تحولت وثيقة تأمين كانت تمثل صمام أمان اجتماعي إلى كابوس طويل، وملف مؤجل، وحق محل جدل.
لسنوات طويلة كان العاملون بهيئة كهرباء الريف مشتركين في وثيقة تأمين واضحة البنود، تنص صراحة على صرف خمسين شهرًا على آخر مرتب شامل عند الإحالة للمعاش أو الوفاة مقابل اشتراك ثابت يُخصم من شريط المرتب بنسبة خمسة في المائة. العامل كان يرى الخصم بعينيه، ويعلم سببه، ويخطط على هذا الأساس لمستقبل أسرته بعد انتهاء خدمته.
ثم فجأة، ومن دون إنذار مسبق، ومن دون جمعية عمومية، ومن دون إخطار رسمي، توقّف الخصم في مارس 2012. لم يصدر قرار معلن، ولم يتم تعديل عقد التأمين، ولم يُخطر العاملون بأي تغيير، وكأن الأمر لا يعنيهم.
جاءت الصدمة الحقيقية عند خروج بعض العاملين إلى المعاش. فوجئوا برسالة واحدة مختصرة وقاسية: «لا يوجد صرف لخمسين شهرًا على آخر مرتب شامل، وسيكون الصرف على أساس مرتب مارس 2012 فقط». تبرير جاهز أُخرج من الأدراج: «الاشتراك توقف، إذن الميزة توقفت».
لكن السؤال الجوهري الذي ظل بلا إجابة من الذي أوقف الخصم؟ ومن الذي يملك قانونًا حق إيقافه؟ ولماذا لم يتم إبلاغ أصحاب الشأن؟
قانون العمل واضح وحاسم إذ ينص صراحة على أن كل اتفاق أو إجراء يتضمن تنازل العامل عن أي حق من حقوقه يُعد باطلًا، ولو تم برضاه. وما حدث في هذه الواقعة لا يرقى حتى إلى كونه اتفاقًا، بل هو إجراء إداري منفرد، لم يسبقه تصويت، ولم تلحقه موافقة جماعية، ولم يُوثق قانونيًا، وهو ما يجعله باطلًا بنص القانون.
وتزداد خطورة الملف حين نضعه في سياق المقارنة داخل قطاع الكهرباء نفسه. ففي شركة مصر العليا لتوزيع الكهرباء، تمت الموافقة على وثيقة تأمين بدعم سنوي بلغ ثمانية عشر مليون جنيه، بتوقيع رئيس الشركة القابضة، واستمر الصرف حتى آخر عامل أُحيل إلى المعاش. وفي شركات أخرى داخل القطاع، استمرت صناديق الرعاية في العمل، وزادت مخصصاتها بموافقات رسمية من الرقابة المالية، كما التزمت الشركات بحقوق العاملين المنقولين إليها دون جدل.
أما عمال كهرباء الريف، فظل ملفهم مؤجلًا، وحقوقهم محل نقاش لا ينتهي، وكأنهم خارج المنظومة، أو مواطنون من درجة أدنى داخل قطاع واحد.
الأخطر من وقف الخصم هو مصير الأموال نفسها. ودائع تتجاوز أربعمائة مليون جنيه، أموال جرى استردادها من شركة مصر للتأمين، ووثائق مكررة صُرفت بالمخالفة، وأصول ضخمة جرى بناؤها من عرق العاملين، من مصايف جمصة والعريش، إلى أساطيل نقل ثقيل، إلى أراضٍ تُقدَّر قيمتها بمليارات الجنيهات. جميعها نُقلت دون مقابل واضح أو تسوية عادلة لأصحاب الحق الأصليين.
وفي مقابل ذلك، شهد العاملون البسطاء مشهدًا مؤلمًا؛ قيادات جمعت بين مزايا شركات منقولين منها وإليها، واستمر بعضهم في شغل مناصب بعد بلوغ سن المعاش، واستفاد آخرون من مساكن ومزايا دون محاسبة، بينما كان العامل البسيط يخرج إلى المعاش ليُقال له إن ما تبقى له هو الفتات.
وتتحجج الشركة القابضة أحيانًا بأحكام قضائية خسرها بعض العاملين، غير أن الحقيقة القانونية تؤكد أن الأحكام شخصية، لا تُعمم، ولا تُسقط حقوق الآخرين، واستخدامها كذريعة لحرمان جماعي يُعد تعسفًا واضحًا في استعمال الحق.
ويُضاف إلى ذلك أن قرارًا وزاريًا صريحًا كان قد صدر بتحويل كهربة الريف إلى شركات التوزيع، ووقعه وزير الكهرباء الأسبق حسن يونس، بالاشتراك مع رئيس مجلس إدارة كهربة الريف آنذاك. القرار نص بوضوح على أن يتم التحويل مع الاحتفاظ الكامل بكل مميزات كهربة الريف، بما في ذلك صناديق نهاية الخدمة، وصرف خمسين شهرًا على الأجر الشامل، واثني عشر شهرًا على الأجر الأساسي.
ورغم وضوح القرار، ورغم وجود مستندات رسمية بحوزة العاملين، اصطدم التنفيذ بتعنت من جانب المهندس جابر الدسوقي، رئيس الشركة القابضة لكهرباء مصر، الرافض لصرف الحقوق، على الرغم من وجود زملاء وقيادات خرجوا إلى المعاش بالفعل وتم صرف مستحقاتهم كاملة وفقًا لنفس القرارات.
وقبل نحو شهر، جرت مكالمة هاتفية بين الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، والأستاذ شوقي وفائي، تم خلالها عرض الملف كاملًا، ووعد الوزير بحل المشكلة. غير أن الواقع حتى الآن يشير إلى صمت رسمي، وغياب رد مكتوب، وعدم تحديد أي إطار زمني للحسم.
مطالب عمال كهرباء الريف واضحة ولا تحتمل التأويل. صرف وثيقة التأمين بواقع خمسين شهرًا على آخر مرتب شامل، وصرف ميزة اثني عشر شهرًا على آخر مرتب أساسي، وتحميل شركات التوزيع الحالية بجميع الالتزامات التي كانت تتحملها هيئة كهرباء الريف، وتنفيذ التوصيات الصادرة منذ عام 2017 التي أقرت مبدأ المساواة مع باقي شركات قطاع الكهرباء.
هذه ليست قضية فئة تبحث عن تمييز، بل قضية عدالة غائبة، وحقوق عمالية ثابتة بالقانون والمستندات. العدل لا يتجزأ، والحقوق لا تسقط بالصمت، والتاريخ لا ينسى من أنصف، كما لا ينسى من تجاهل.
التحقيق ما زال مفتوحًا، والكرة في ملعب المسؤولين.
حقوق ضائعة وقرارات معطلة داخل قطاع الكهرباء
عمال كهرباء الريف بين وثيقة تأمين مهدرة وصمت رسمي يطرح أسئلة لا تجد إجابة
ومازلت فى هذا الحقيق اكشف كيف تحولت مزايا مقررة بالقانون إلى ملف مُجمَّد، ولماذا يُعامل عمال جهة واحدة بمعايير مختلفة داخل القطاع نفسه.
القضية المطروحة لم تعد شأناً عمالياً محدوداً، ولا نزاعاً إدارياً قابلاً للتأجيل، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمبدأ العدالة داخل مؤسسات الدولة. عمال كهرباء الريف لا يطلبون استثناءً ولا معاملة خاصة، بل يطالبون بتطبيق القانون والقرارات الوزارية ذاتها التي طُبقت على غيرهم داخل قطاع الكهرباء. وهنا يصبح السؤال مشروعاً أمام دولة رئيس مجلس الوزراء والسادة أعضاء مجلس النواب: كيف يُترك ملف مكتمل المستندات، واضح الوقائع، ثابت الحقوق، معلقاً لسنوات، بينما تُحل ملفات مماثلة في جهات شقيقة؟ إن إنصاف هؤلاء العمال ليس فقط إعادة حق مالي، بل تصحيح مسار، ورسالة طمأنة لكل عامل بأن الحقوق لا تضيع بالصمت، وأن العدالة لا تُجزأ، وأن دولة القانون لا تعرف الكيل بمكيالين.
أموال ضائعة.. وحقوق مؤجلة.. وأرقام تصرخ بالحقيقة
لم تعد أزمة وثيقة تأمين كهربة الريف مجرد خلاف إداري أو تباين في وجهات النظر، بل تحولت ـ وفق المستندات الجديدة التي حصلت عليها «نبض الحياة » ـ إلى ملف مالي مكتمل الأركان، تتداخل فيه قرارات مجلس إدارة، وتسويات مالية، وأصول تم نقلها، وأموال كان يجب تجنيبها قانونًا لصالح العاملين، لكنها أُدرجت في دفاتر أخرى دون سند عادل.
وتكشف المستندات أن هيئة كهربة الريف، قبل نقل تبعيتها، كانت تطبق نظامًا ماليًا واضحًا في مشروعات كبار المشتركين، يقوم على تجنيب نسبة 25% من صافي العمليات لحساب صندوق نهاية الخدمة ووثيقة التأمين وميزة الـ12 شهرًا، وفق قرارات مجلس الإدارة المعتمدة والقرارات الإدارية المنظمة للدورة المستندية.
وبحسب الأوراق، فإن الشركة القابضة لكهرباء مصر تسلمت في عام 2011 شيكات بقيمة 1.5 مليار جنيه (800 مليون + 700 مليون) من عمليات توصيل كبار المشتركين التي نفذتها كهربة الريف، بعد انتهاء الأعمال وإطلاق التيار، إلا أن هذه المبالغ جرى تسويتها بالكامل ضمن حساب الأرباح المرحلة، دون تجنيب نسبة الـ25% المقررة قانونًا لدعم وثيقة تأمين كهربة الريف.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ تشير المستندات إلى أن أصولًا ضخمة آلت إلى الشركة القابضة دون تحميلها أعباء مالية مقابلة، من بينها مصايف جمصة والعريش، التي قُدرت قيمتها بنحو 2 مليار جنيه، ومعدات نقل ثقيل بقيمة تقارب 2 مليار جنيه، فضلًا عن مهمات ومخازن على مستوى الجمهورية تجاوزت قيمتها 10 مليارات جنيه، جميعها تم تمويلها في الأصل من أرباح كهربة الريف التي لم توزع، وكان يجب ـ وفق القواعد المعتمدة ـ تجنيب نسبة منها لصالح صندوق نهاية الخدمة ووثيقة التأمين.
وتوضح الأوراق أن الخطة الاستثمارية لعدد من المشروعات جرى تمويلها ذاتيًا من الأرصدة الدائنة تحت التسوية، ثم نُقلت أصولها لاحقًا إلى شركات التوزيع، بينما ظلت حقوق العاملين المرتبطة بهذه الأرصدة معلقة، رغم أن ميزانيات كهربة الريف كانت تُظهر بوضوح هذه الأرصدة وآليات التعامل معها.
وبحسبة مالية بسيطة، تؤكد المستندات أن إجمالي ما انتقل إلى دفاتر الشركة القابضة من أرباح وأصول كهربة الريف تجاوز 20 مليار جنيه، وأن تجنيب نسبة 25% فقط من هذا المبلغ ـ كما كان معمولًا به ـ كان كفيلًا بتوفير ما يقرب من 5 مليارات جنيه لدعم وثيقة التأمين وميزة الـ12 شهرًا، إضافة إلى ودائع قائمة بالفعل تقدر بنحو 400 مليون جنيه.
هذه الأرقام تضع علامات استفهام كبرى حول أسباب تعثر صرف حقوق العاملين بكهربة الريف، في الوقت الذي شهد فيه قطاع الكهرباء زيادات متتالية في مزايا صناديق الرعاية الاجتماعية، كان آخرها رفع الميزة إلى نحو 750 ألف جنيه للعامل الواحد، بموافقات رسمية من الجمعيات العمومية وهيئة الرقابة المالية.
ويؤكد ممثلو العاملين أن جميع هذه الوقائع معلومة لقيادات الوزارة، ولعدد كبير من قيادات الشركة القابضة وشركات التوزيع من أبناء كهربة الريف أنفسهم، سواء ممن شغلوا مواقع قيادية أو ما زالوا يعملون في الإدارات المالية وصناديق الوثائق، وهو ما يجعل تجاهل الملف أو تأجيله أمرًا يثير الدهشة والاستغراب.
ويطالب العاملون، استنادًا إلى هذه المستندات، بإعادة فتح الملف ماليًا، وإجراء دراسة اكتوارية حقيقية مع شركة مصر للتأمين، وتحميل الشركة القابضة وشركاتها التابعة بما كانت تلتزم به هيئة كهربة الريف، تنفيذًا للقرارات الوزارية ومحاضر مجلس الإدارة، وصرف وثيقة التأمين بواقع خمسين شهرًا على آخر مرتب شامل، وميزة الاثني عشر شهرًا على آخر مرتب أساسي، لكل من هم بالخدمة ولمن أُحيلوا للمعاش منذ أبريل 2012.
ويختتم العاملون رسالتهم بالتأكيد على أن ما يطالبون به ليس منحة ولا تفضيلًا، بل حق ثابت، موثق بالمستندات، وأن إنصافهم سيكون رسالة واضحة بأن الدولة لا تسمح بضياع حقوق من أفنوا أعمارهم في خدمة مرفق حيوي، وأن العدل حين يتأخر لا يسقط، لكنه يترك جراحًا لا تُنسى.








