كتب احمد عسله
في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها المجتمعات يصبح السؤال عن موقع العقل في فهم الدين سؤالًا مركزيا لا يخص الفقهاء وحدهم ولا الفلاسفة وحدهم بل يمتد إلى وجدان الأمة ووعيها الجمعي.
من هنا تأتي أهمية المناقشة العلمية المرتقبة غدًا الأحد بكلية الدراسات الآسيوية العليا بجامعة الزقازيق والتي تتناول واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر العربي الحديث.
الجامعة برئاسة الأستاذ الدكتور خالد الدرندلي تمضي بخطى واثقة نحو ترسيخ تقاليد البحث الرصين وتوسيع دوائر الاشتباك العلمي مع القضايا المعاصرة في إطار من الانضباط المنهجي والانفتاح المسؤول.
كما تحظى كلية الدراسات الآسيوية العليا بإشراف عام من الأستاذ الدكتور إيهاب الببلاوي الذي يؤكد في مختلف المحافل أن البحث العلمي الجاد هو حجر الزاوية في بناء وعي أكاديمي قادر على قراءة العالم لا الانفعال به.
موضوع في قلب الجدل الفكري
غدا يناقش الباحث عمرو محمد عبد الواحد العاطي ياسين رسالة الدكتوراه المعنونة
«الاتجاه العقلي في الفكر الديني المعاصر في سوريا (صادق جلال العظم – محمد شحرور أنموذجًا)».
العنوان وحده يكشف عن حساسية الطرح وعمقه إذ تتناول الرسالة تحليلًا نقديا لأطروحات المفكرين صادق جلال العظم ومحمد شحرور بوصفهما من أبرز من مثلوا النزعة العقلانية في السياق السوري الحديث وما ارتبط بها من إعادة قراءة للنصوص الدينية في ضوء مفاهيم الحداثة.
إن الاتجاه العقلي بمختلف تمثلاته لم يكن مجرد تيار فكري عابر بل كان تعبيرا عن صراع معرفي بين أنماط من الفهم وبين رؤيتين للعلاقة بين العقل والنص بين الثابت والمتغير بين التراث وسؤال العصر.
من هنا فإن مقاربة هذا الملف داخل مؤسسة جامعية مصرية عريقة لا تُعد مجرد بحث أكاديمي بل هي إسهام في إعادة ترتيب الأسئلة الكبرى.
لجنة من الوزن الثقيل
تُعقد المناقشة أمام لجنة علمية تضم
الأستاذ الدكتور محمد محمود أبوهاشم أستاذ الحديث الشريف وعلومه ونائب رئيس جامعة الازهر الأسبق وعضو مجلس النواب السابق مناقشا ورئيسا الأستاذ الدكتور محمد سليم السيد عطية أستاذ الحديث الشريف وعلومه وعضو مجلس الشيوح وأمين عام حزب مستقبل وطن بالشرقية مناقشا الأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب طه أستاذ العقيدة والفلسفة مشرفا الأستاذ الدكتور محمد عمر خالد أستاذ الأديان والمذاهب مشرفًا.
تنوع تخصصات اللجنة يعكس إدراكا لطبيعة الموضوع المركبة فهو ليس بحثا في الفلسفة فحسب ولا في التفسير وحده بل هو دراسة تتقاطع فيها العقيدة مع الفكر والتاريخ مع التأويل والمنهج مع الرؤية.
الدراسات الآسيوية العليا منبر للبحث المقارن
رسخت كلية الدراسات الآسيوية العليا مكانتها كمنصة بحثية تتعامل مع الظواهر الفكرية في أبعادها الحضارية وتقرأ السياقات الإقليمية قراءة تحليلية معمقة وهو ما يجعل من هذه المناقشة امتدادا طبيعيا لدورها في دراسة التيارات الفكرية في المجالين العربي والآسيوي.
الكلية لا تكتفي بتوثيق الظواهر بل تسعى إلى تفكيكها وتحليلها وإعادة تركيبها معرفيا في إطار من المسؤولية العلمية التي توازن بين الجرأة والانضباط.
بين التجديد والانضباط
إن الحديث عن الاتجاه العقلي في الفكر الديني المعاصر لا ينفصل عن سؤال التجديد ذاته كيف يمكن للعقل أن يمارس دوره النقدي دون أن يتحول إلى قطيعة معرفية؟ وكيف يمكن للنص أن يحتفظ بقداسته دون أن يُجمد التاريخ؟
هذه الأسئلة ليست نظرية محضة بل هي أسئلة تمس بنية الوعي العربي في لحظة فارقة من تاريخه.
من هنا فإن مناقشة هذه الرسالة تمثل نموذجا لما ينبغي أن تكون عليه الجامعة مساحة آمنة للنقاش الجاد ومنبرا لطرح الأسئلة الكبرى دون تهوين أو تهويل.
الجامعة ورسالتها في زمن التحولات
في زمن تتسارع فيه التحولات الفكرية يصبح دور الجامعة مضاعفًا؛ فهي ليست مجرد مؤسسة تمنح درجات علمية بل هي عقل المجتمع وضميره البحثي.
بهذا المعنى فإن احتضان جامعة الزقازيق لمثل هذه المناقشات يؤكد أن المؤسسات الإقليمية لم تعد هامشا في الخريطة الأكاديمية بل أصبحت فاعلا رئيسا في صياغة النقاش الوطني.
وغدا حين تُفتح قاعة المناقشة لاستقبال الباحث ولجنة الحكم لن يكون الأمر مجرد إجراء أكاديمي تقليدي بل سيكون لحظة حوار بين أجيال من الفكر بين مدارس متعددة في النظر والتأويل.
استشرافا لما بعد المناقشة
المهم في مثل هذه الرسائل ليس فقط ما تنتهي إليه من توصيات بل ما تفتحه من آفاق.
قد تسهم هذه الدراسة في إعادة قراءة التجارب العقلانية العربية بعيدا عن الأحكام المسبقة وتمنح الباحثين أرضية أوسع لفهم العلاقة المركبة بين الحداثة والتراث.
وهكذا تمضي الجامعة في أداء رسالتها ويواصل البحث العلمي حركته وتظل قاعات المناقشة ساحات حوار هادئ في زمن الضجيج.
وغدا سيكون العقل في مواجهة السؤال والنص في مواجهة التأويل والجامعة في قلب المعادلة..
** ليست كل مناقشة دكتوراه حدثا عابرا في أجندة الجامعة فبعضها يتحول إلى مرآة تعكس أسئلة أمة بأكملها.
وغدًا كما اشرنا في رحاب جامعة الزقازيق تنعقد مناقشة رسالة علمية حول «الاتجاه العقلي في الفكر الديني المعاصر في سوريا» لكنها في جوهرها تناقش سؤالا أعمق كيف نقرأ النص الديني في زمن التحولات الكبرى؟
الجامعة برئاسة الأستاذ الدكتور خالد الدرندلي تؤكد من خلال احتضانها لهذا الطرح أن دورها لا يقتصر على منح الدرجات بل يمتد إلى صيانة الوعي العام من التبسيط المخلّ أو التهويل المضلل.
كما أن إشراف الأستاذ الدكتور إيهاب الببلاوي على كلية الدراسات الآسيوية العليا يعكس إدراكا بأن القضايا الفكرية الكبرى تحتاج إلى مناخ علمي يسمح بالحوار الرصين لا بالمصادرة ولا بالمجاملة.
أزمة التأويل جذور السؤال
منذ بدايات النهضة العربية الحديثة لم يكن الخلاف الحقيقي بين التيارات الفكرية يدور حول “النص” في ذاته بقدر ما كان يدور حول “تأويل النص”.
هل النص مغلق على دلالته التاريخية؟
أم مفتوح على أفق متجدد من الفهم؟
وهل العقل خادم للنص أم شريك في إنتاج معناه؟
هنا تحديدا نشأت أزمة التأويل في الفكر العربي الحديث أزمة لم تكن لغوية فحسب بل حضارية في المقام الأول فمع احتكاك العالم العربي بالحداثة الغربية برز سؤال مزدوج كيف نحافظ على أصالة المرجعية الدينية وفي الوقت ذاته نستوعب التحولات المعرفية والعلمية؟
بعض الاتجاهات اختارت القطيعة وبعضها اختار الجمود وبين القطيعة والجمود ضاعت أحيانا المساحات الوسطى التي تسمح بالعقل دون تمرد وبالنص دون تحجر.
الاتجاه العقلي بين الجرأة والإشكال
الرسالة التي يناقشها الباحث عمرو محمد عبد الواحد العاطي ياسين تتناول نموذجين بارزين في هذا السياق صادق جلال العظم ومحمد شحرور.
كلاهما انطلق من إعلاء شأن العقل لكنهما اختلفا في المنهج والنتائج.
الأول تعامل مع الدين من زاوية نقدية فلسفية صادمة أحيانا
والثاني حاول إعادة قراءة النص القرآني بمنهج لغوي رياضي تأويلي جديد.
غير أن القيمة الحقيقية لدراسة هذين النموذجين لا تكمن في الاتفاق أو الاختلاف مع أطروحاتهما بل في فهم السياق الذي أنتجهما.
فكل فكر هو ابن لحظته التاريخية وكل تأويل هو استجابة لسؤال عصره.
بين التراث والحداثة معادلة لم تُحسم
الفكر العربي الحديث ظل عالقا في معادلة لم تُحسم بعد كيف نوفق بين “ثبات المرجعية” و“حركة الواقع”؟
كيف نجعل من العقل أداة للفهم لا معولًا للهدم؟
وكيف نمنع التأويل من أن يتحول إلى فوضى دلالية تذيب النص في احتمالات لا نهائية؟
هذه الأسئلة ليست أكاديمية صرفة إنها تمس مناهج التعليم وخطاب المنابر ونقاشات وسائل الإعلام بل تمس صورة الدين في الوعي العام.
ولهذا فإن مناقشة رسالة أكاديمية في هذا الإطار تمثل خطوة في اتجاه إعادة ضبط بوصلة النقاش.
الجامعة كحارس للمنهج
هنا تبرز أهمية أن تُطرح هذه القضايا في سياق جامعي منضبط أمام لجنة علمية تضم الأستاذ الدكتور محمد محمود أبوهاشم والأستاذ الدكتور محمد سليم السيد عطية والأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب طه والأستاذ الدكتور محمد عمر خالد.
تنوع تخصصاتهم بين الحديث والعقيدة والأديان كما اشرت سابقا يمنح المناقشة توازنا ضروريا فلا يغلب البعد الفلسفي على النص، ولا يُختزل النقاش في حدود تقليدية مغلقة.
ما الذي يمكن أن نستفيده كقراء؟
الفائدة الحقيقية للقارئ غير المتخصص تكمن في إدراك أن الخلاف حول التأويل ليس صراعًا بين “إيمان” و“كفر” كما يُصوَّر أحيانا في الخطاب الشعبوي بل هو نقاش معرفي حول أدوات الفهم وحدوده.
حين نفهم أن التأويل عملية منهجية لها شروطها ندرك خطورة أن يتحول كل قارئ إلى مفسر بلا أدوات أو كل صاحب رأي إلى مجدد بلا ضوابط.
كما ندرك أن العقل ليس نقيضا للنص بل هو شرط فهمه لكن العقل ذاته يحتاج إلى مرجعية ومعايير وإلا تحول إلى نسبية لا تنتهي.
نحو أفق أوسع
ربما لا تنهي رسالة علمية واحدة أزمة التأويل الممتدة منذ قرن لكنها تساهم في نقل النقاش من ساحات الانفعال إلى منصات التحليل وهذا في حد ذاته مكسب حضاري.
إن مجتمعات لا تطرح أسئلتها الكبرى داخل جامعاتها تتركها لتُطرح في فضاءات مشوشة حيث يغيب المنهج ويعلو الصوت.
وغدا حين تُفتح قاعة المناقشة في جامعة الزقازيق سيكون السؤال أكبر من حدود رسالة دكتوراه.
سيكون سؤالًا عن مستقبل الفهم الديني في عالم يتغير بسرعة وعن قدرة العقل العربي على إنتاج قراءة متوازنة لا تقطع مع تراثه، ولا تغلق عينيها عن عصره.
وفي زمن تتصارع فيه التأويلات يبقى الرهان الحقيقي على المنهج.
فالمنهج وحده هو الذي يحول الخلاف إلى معرفة والسؤال إلى بداية طريق لا إلى ساحة صدام…








