ليس من باب الادعاء ولا من قبيل الزهو بالكلمات أن أضع اسمي فوق هذا العنوان مقرونا بعبارة “لله وللأجيال”فالكتابة في قضايا الفكر ليست تمرينا لغويا ولا ترفا ثقافيا بل شهادة.
والشهادة إن لم تُقصد بها الحقيقة تحولت إلى رأي عابر أو صدى لضجيج اللحظة.
أكتب لأنني أؤمن أن أزمة التأويل التي يعيشها الفكر العربي الحديث ليست خلافا فقهيا عابرا ولا جدلا بين محافظ ومجدد بل هي مأزق منهجي يمسّ صميم علاقتنا بالنص وبالعقل وبالواقع معا.
أولاً حين يصبح الفهم أزمة
لم يعرف تاريخنا الإسلامي أزمة نص
فالنص محفوظ متواتر حاضر في الوجدان قبل المصحف.
لكن الأزمات الكبرى في تاريخ الأمم لا تبدأ بضياع النصوص بل باضطراب فهمها.
في العصور الأولى نشأ علم أصول الفقه ليضبط العلاقة بين الدلالة اللغوية والمراد الشرعي.
كان سؤال “كيف نفهم؟” حاضرا بقوة لكنه كان يتحرك داخل إطار مرجعي واضح يعترف بثبات النص وبحاجة الإنسان إلى الاجتهاد في تنزيله.
غير أن الاحتكاك بالحداثة الغربية منذ القرن التاسع عشر نقل السؤال إلى مستوى آخر.
لم يعد النقاش حول دلالة لفظ أو قياس مسألة على أصل بل أصبح النقاش حول سلطة النص نفسها وحول دور العقل في إعادة إنتاج المعنى.
وهنا بدأت أزمة التأويل بمعناها الحديث.
ثانيا من الاجتهاد إلى الهرمنيوطيقا دخلت إلى المجال العربي مفاهيم الفلسفة الغربية في فهم النصوص خصوصًا الهرمنيوطيقا التي تطورت في أوروبا من تفسير النصوص الدينية إلى فلسفة للفهم الإنساني ذاته.
تحولت المسألة من “ماذا يقصد النص؟” إلى “كيف يُنتج المعنى؟”ومن “ما مراد الشارع؟” إلى “ما دور القارئ؟”
في هذا السياق ظهرت قراءات جريئة حاولت إعادة بناء الخطاب الديني ومن بين أبرز الأسماء التي أثارت جدلا واسعا في الساحة السورية والعربية صادق جلال العظم ومحمد شحرور.
لكن القضية في تقديري لا تختزل في الأشخاص، بل في المنهج.
فحين ينتقل مفهوم فلسفي من بيئة حضارية إلى أخرى دون تمحيص كافٍ يحدث ما يمكن تسميته بـ“انفصال المفهوم عن جذوره” فيتحول إلى أداة صدام بدل أن يكون أداة فهم.
ثالثًا العقل شريك أم خصم؟
من الظلم اختزال التاريخ الإسلامي في صورة صراع بين النص والعقل.
فالعقل كان حاضرا بقوة في تجربة المعتزلة وفي اجتهادات الفقهاء وفي مناظرات المتكلمين بل وفي مدارس التفسير المختلفة.
لكن العقل في التجربة الإسلامية لم يكن مرجعية مستقلة عن الوحي بل كان أداة لفهمه وتنزيله.
الأزمة الحديثة نشأت حين طُرح سؤال هل العقل معيار فوق النص؟ أم أن النص إطار يهدي العقل؟
وهذا السؤال لم يُحسم بعد بل ما زال يتجدد في كل نقاش حول التجديد الديني.
رابعا أزمة المنهج لا أزمة الإيمان
أكاد أجزم أن المجتمعات العربية ليست في أزمة إيمان بقدر ما هي في أزمة منهج.
فالناس ما زالت متعلقة بالدين بل ربما ازدادت تمسكا به في مواجهة التحولات المتسارعة لكن الخطاب الديني نفسه يعاني من ارتباك في أدوات الفهم.
هناك من يغلق باب الاجتهاد خشية الانفلات
وهناك من يفتح الباب بلا ضابط فيقع في النسبية المطلقة.وبين الجمود والانفلات تضيع المساحة الوسطى التي كانت دائما سر توازن الحضارة الإسلامية.
خامسا السياق السوري نموذجًا للتحول
إذا تأملنا التجربة السورية التي تناولتها بعض الدراسات المعاصرة نجد أنها تمثل نموذجا مكثفا لأزمة التأويل في الفكر العربي الحديث.
في مجتمع عانى من تحولات سياسية واجتماعية عميقة أصبح الخطاب الديني جزءا من الصراع حول الهوية والسلطة والشرعية.
هنا لم يعد التأويل مسألة أكاديمية بل صار سؤالا وجوديا
كيف نقرأ النص في زمن الانقسام؟وكيف نفهم الدين في ظل تحولات الدولة والمجتمع؟إن هذه الأسئلة تتجاوز الجغرافيا وتمسّ مجمل الواقع العربي.
سادسا الجامعة ومسؤولية التفكير
حين تُناقش مثل هذه القضايا في مؤسسات علمية كبرى، مثل جامعة الزقازيق فإن الأمر يتجاوز إطار الرسالة الأكاديمية ليصبح مؤشرًا على حيوية النقاش داخل الجامعة المصرية.
الجامعة ليست فقط مكانا لمنح الدرجات بل فضاء لإعادة صياغة الأسئلة الكبرى.
وفي ظل إدارة علمية واعية كما هو الحال في هذه المرحلة يصبح الحوار حول التجديد والتأويل ضرورة وطنية لا ترفًا ثقافيًا.
سابعا نحو أفق تأويلي جديد
لا أكتب دفاعا عن اتجاه بعينه ولا هجوما على آخر بل دعوة إلى منهج متوازن يقوم على احترام قدسية النص وثبات مرجعيته.
الاعتراف بحركة الواقع وتغيره.
تطوير أدوات الفهم اللغوي والسياقي.
الاستفادة النقدية من الفلسفات المعاصرة دون ذوبان فيها.
لسنا مطالبين باستنساخ تجربة الغرب
ولا بالانغلاق داخل الماضي بل نحن مطالبون بإعادة إنتاج وعينا من داخل تراثنا وبأدوات عصرنا.
الكتابة شهادةأكتب لله لأن الحقيقة لا تُشترى وأكتب للأجيال لأن الفكر إن لم يُورَّث تحوّل إلى صدى لحظة عابرة.
أزمة التأويل ليست معركة بين فريقين،
بل هي امتحان لقدرتنا على الجمع بين الثبات والحركة لين النص والعقل بين الماضي والمستقبل.
وإن كنا نختلف في الإجابات فليكن اتفاقنا على أن السؤال يستحق أن يُطرح وأن الحوار لا الصمت هو الطريق.
فالأمم لا تنهض بكثرة الشعارات
بل بعمق الفهم.








