كتب احمد عسله
في لحظة تتجه فيها الدولة إلى إعادة صياغة الهياكل الكبرى لتعظيم الكفاءة وتعزيز الاستدامة المالية تبرز أهمية ترتيب الالتزامات القائمة قبل الانتقال إلى كيانات جديدة.
في قطاع الكهرباء تحديدا فيما يتعلق بالعاملين المنقولين من هيئة كهربة الريف بموجب القانون رقم 13 لسنة 2007 يعود ملف وثيقة التأمين إلى دائرة الضوء بوصفه نموذجا دقيقا للتوازن بين الإصلاح الإداري وصون الحقوق المكتسبة.
القضية ليست نزاعا بل سؤالا مؤسسيا
كيف نضمن أن التطوير لا يأتي على حساب مراكز قانونية مستقرة؟
الإطار التشريعي الكامل
القانون رقم 13 لسنة 2007
نص على نقل العاملين إلى الشركة القابضة لكهرباء مصر وشركاتها التابعة، مع الاحتفاظ بكافة المزايا.
القرارات الوزارية التنفيذية
أكدت صراحة استمرار صناديق نهاية الخدمة وعدم المساس بالحقوق.
مبدأ استقرار المراكز القانونية
فقه القضاء الإداري مستقر على أن الحقوق التي تنشأ وفق قانون لا يجوز الانتقاص منها بقرار إداري لاحق.
التحليل المالي الموسع
أولًا الوضع الحالي المعلن
ودائع قائمة تتجاوز 400 مليون جنيه.
تسويات وأصول منذ 2012 تجاوزت 20 مليار جنيه.
نسبة 25% المفترض تجنيبها لدعم الوثيقة = ما يزيد على 5 مليارات جنيه تقريبًا.
ثانيًا: القراءة الاقتصادية
إذا تم تعلية نسبة الـ25% منذ 2012 مع عائد استثماري محافظ سنوي متوسط 10%، فإن القيمة التراكمية المحتملة قد تكون أعلى بكثير من الرقم الاسمي.
ثالثًا: المعايير الواجبة لصناديق مماثلة
مراجعة اكتوارية دورية كل 3 سنوات.
نشر ملخص مالي سنوي.
فصل أموال الوثيقة عن الحسابات التشغيلية.
الأبعاد الدستورية
الدستور المصري رسّخ
مبدأ العدالة الاجتماعية.
حماية الأموال ذات الطبيعة التأمينية.
عدم جواز المساس بالحقوق المكتسبة.
وعليه فإن أي إعادة هيكلة ينبغي أن تراعي هذه المبادئ صراحة.
سيناريوهات ما بعد التقسيم
في حال تقسيم القابضة إلى شركتين هناك 3 احتمالات:
انتقال الالتزام بالكامل إلى إحدى الشركتين.
توزيع الالتزام نسبيًا بين الكيانين.
إنشاء كيان مستقل لإدارة الوثيقة.
كل سيناريو يتطلب نصًا واضحًا لتفادي النزاعات.
الردود القانونية المتوقعة وتحليلها
الرد المحتمل الأول:
“الوثيقة قائمة والودائع موجودة.”
التحليل: وجود ودائع لا يغني عن مراجعة نسبة الـ25% غير المعلنة.
الرد المحتمل الثاني:
“لا يوجد نص يُلزم بتعليـة نسبة محددة.”
التحليل: إذا كان النص موجودًا في القرارات التنفيذية، فله قوة الإلزام الإداري، ويستند إلى مبدأ عدم الإثراء بلا سبب.
الرد المحتمل الثالث:
“الملف سيُعالج ضمن إعادة الهيكلة.”
التحليل: الأصل تسوية الالتزامات قبل التقسيم، لا ترحيلها.
بيان خبراء اقتصاد وقانون
نحن الموقعين أدناه من خبراء القانون والاقتصاد، نرى أن:
تسوية الالتزامات المالية السابقة شرط أساسي لنجاح أي إعادة هيكلة.
وضوح الحسابات يعزز الثقة المؤسسية.
تعلية المبالغ المستحقة لصناديق التأمين يعكس التزام الدولة بالعقود الإدارية.
ونؤكد أن معالجة ملف وثيقة كهربة الريف قبل التقسيم المرتقب تمثل خطوة إيجابية في مسار الإصلاح.
الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى
إذا تم الحسم الآن:
استقرار إداري.
تفادي نزاعات قضائية.
رسالة ثقة للعاملين.
إذا تم التأجيل:
احتمالات تقاضي ممتدة.
تضارب اختصاصات.
عبء على الكيانات الجديدة.
التوصيات التنفيذية الواضحة
تشكيل لجنة مراجعة مالية مستقلة خلال 30 يومًا.
إعلان كشف حساب تفصيلي منذ 2012.
تحديد القيمة النهائية لنسبة الـ25%.
تضمين الالتزامات صراحة في أي قرار تقسيم.
إعلان جدول زمني لصرف المستحقات.
في زمن تتجه فيه الدولة إلى إعادة صياغة كياناتها الاقتصادية الكبرى، يبقى احترام الالتزامات القائمة حجر الأساس لأي إصلاح مستدام.
وثيقة كهربة الريف ليست عبئًا ماليًا، بل التزامًا قانونيًا واجتماعيًا.
وحسم هذا الملف قبل إعادة الهيكلة لن يكون فقط إنصافًا لفئة من العاملين، بل خطوة تعزز الثقة المؤسسية وتؤكد أن التطوير لا يأتي على حساب الحقوق…







