*** في لحظة فارقة من تاريخ الإقليم حيث تتشابك النيران من غزة إلى السودان ومن البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي لم يعد ممكنا قراءة المشهد بعين واحدة أو تفسير التحركات بمعزل عن بعضها البعض.
نحن أمام خريطة جديدة تُرسم وموازين قوة يُعاد ضبطها وقواعد اشتباك لم تعد كما كانت.
وفي قلب هذا كله تقف مصر فليست مصر الطرف الذي ينتظر ولا الدولة التي تتحرك برد الفعل بل الدولة التي تقرأ وتُقدّر وتُعيد صياغة التوازنات وفق رؤية أشمل وأعمق.
خلال الأشهر الماضية وتحديدا منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة حدث تحول نوعي في الأداء المصري ليس فقط على مستوى الخطاب السياسي ولكن على مستوى الفعل الاستراتيجي ذاته.
فالقاهرة لم تعد تتحدث بلغة “الوسيط التقليدي” الذي يسعى لتهدئة مؤقتة بل انتقلت إلى مرحلة جديدة عنوانها إدارة الصراع وفق محددات الأمن القومي المصري أولا.
من هنا يصبح فهم أي تحرك إقليمي أو دولي دون وضع مصر في مركزه قراءة ناقصة.
الحديث عن سعي بعض الأطراف لإعادة تفعيل قنوات التواصل أو البحث عن “مخارج سياسية” في ظل حالة الاحتقان الحالية لا يمكن فصله عن إدراك واضح بأن مصر تمثل مفتاحا أساسيا في معادلة الاستقرار ليس فقط بحكم الجغرافيا ولكن بحكم التاريخ والقدرة والتأثير الممتد في أكثر من دائرة.
لكن السؤال الأهم هنا هل عادت مصر إلى نفس موقعها القديم؟الإجابة ببساطة لا.
مصر اليوم مختلفة أكثر وعيا أكثر صلابة وأكثر إدراكا لحجم التحديات المحيطة بها.
لم يعد القرار المصري أسير ردود الفعل أو ضغوط اللحظة بل أصبح نتاج رؤية ممتدة تُدرك أن الصراع في المنطقة لم يعد تقليديا وأن أدواته تجاوزت الحدود العسكرية إلى ضغوط اقتصاديةوحروب معلومات ومحاولات لإعادة تشكيل الوعي ذاته.
من هنا تتحرك القاهرة وفق معادلة “الاستباق لا الانتظار” وهي معادلة فارقة في ميزان الدول.
نحن لا نعيش أزمة عابرة بل لحظة تاريخية يُعاد فيها تشكيل الإقليم بالكامل والدول التي تُحسن قراءة هذه اللحظة هي وحدها القادرة على تحويل التهديد إلى فرصة والفوضى إلى نفوذ ومصر بحكم موقعها وتجربتها تبدو الأكثر قدرة على القيام بهذا الدور دون اندفاع أو تهور.
فلم يعد مقبولا أن يكون السلام مجرد عنوان يُرفع بينما الوقائع على الأرض تنسفه كل يوم ولم يعد ممكنا أن تتحمل القاهرة تكلفة اختلالات إقليمية تُصنع خارج إرادتها ثم يُطلب منها لاحقا احتواء نتائجها.
لذلك فإن أي حديث عن تهدئة أو إعادة ترتيب للعلاقات يمر أولا عبر بوابة الشروط المصرية الجديدة وهي شروط لم تأتِ من فراغ بل من تراكم خبرات وتجارب وأزمات دفعت ثمنها المنطقة بأكملها.
في مقدمة هذه الشروط يأتي مفهوم “السلام الحقيقي” السلام الذي لا يُهدد الحدود ولا يفتح أبواب التهجير ولا يسمح بخلق أزمات إنسانية تتحول لاحقا إلى تهديدات أمنية مباشرة.
القاهرة أعلنت بوضوح أن سيناء ليست ساحة بديلة لأي ترتيبات وأن فكرة التهجير مرفوضة بشكل قاطع ليس فقط سياسيا بل استراتيجيا وأخلاقيا.
وفي الوقت ذاته أكدت مصر أن ما حدث في غزة لا يمكن تجاوزه ببساطة أو القفز عليه وكأنه لم يكن فالأحداث الكبرى لا تُمحى ببيانات بل تحتاج إلى مراجعات حقيقية تضمن عدم تكرارها.
لكن الأهم من ذلك أن مصر لم تعد تنظر إلى الملفات بشكل منفصل فالأمن في غزة مرتبط بالأمن في سيناء وسيناء ترتبط بما يحدث في السودان والسودان يتقاطع مع أمن البحر الأحمر وكل ذلك يتشابك مع ملف سد النهضة والقرن الإفريقي.
إنها معادلة واحدة تديرها القاهرة بعقل استراتيجي يرى الصورة كاملة لا مجرد أجزاء منها.
ومن هنا جاءت التحركات المصرية على الأرض واضحة وحاسمة تضمنت تعزيز التواجد العسكري في سيناء ورفع كفاءة البنية الدفاعية وإقامة مراكز قيادة متطورة وإرسال رسالة لا تحتمل التأويل وهي أن “السلام خيار لكن الأمن القومي التزام لا يقبل التهاون”.
وفي الداخل الإسرائيلي لا يمكن فصل أي تحرك سياسي عن أزمة الثقة التي تضرب الشارع هناك والانقسام الحاد داخل مؤسسات الحكم فكل قيادة تواجه هذا القدر من الضغط تدرك أن استعادة التوازن لا تأتي فقط بالقوة بل بفتح مسارات تهدئة تعيد طمأنة الداخل حتى وإن كان ذلك عبر بوابات إقليمية أكثر تأثيرا وفي مقدمتها مصر.
هذا التحول لم يكن موجها لطرف بعينه بل هو إعادة تعريف لدور مصر في بيئة إقليمية شديدة السيولة والتعقيد.
في خضم كل ذلك يبقى الثابت الوحيد هو أن مصر لا تغلق الأبواب لكنها لا تفتحها إلا بشروطها لا ترفض التهدئة لكنها ترفض أن تكون على حسابها لا تسعى للتصعيد لكنها لا تقبل بالضغط أو الابتزاز.
إن من يظن أن القاهرة يمكن أن تعود إلى الوراء أو تقبل بصيغ قديمة لم تعد صالحة لم يدرك بعد حجم التحول الذي حدث.
مصراليوم لا تبحث عن دور لأنها بالفعل في قلب الدور ولا تنتظر اعترافا لأنها تفرض واقعا.
وفي عالم يموج بالاضطرابات ويبحث فيه البعض عن “مخارج سريعة” لأزمات معقدة تظل مصر هي الدولة التي تتحرك بثبات وتحسب خطواتها بدقة وتعرف متى تتقدم ومتى تضع الخطوط الحمراء.
وهي لا تُنقذ أحدا جزافا لكنها قادرة على إعادة التوازن حين يختل ولا تمنح الشرعية لأحد لكنها قادرة على سحبها حين يلزم الأمر تلك هي مصر كما ينبغي أن تُقرأ وكما يجب أن تُفهم دولة عظيمة أبية لا تُدار بردود الأفعال بل تُعيد صياغة الفعل ذاته.
لأنه ببساطة من يظن أن مصر مجرد رقم في معادلة لم يدرك بعد أنها “المعادلة نفسها”..








