برزت مؤخرا آلية مبادلة الديون مقابل التنمية (Debt Swap Agreement)، وهي آلية ذكية تجمع بين الإصلاح المالي والتنمية المستدامة في آن واحد، كأداة لدعم وتشجيع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقد أصبحت تحظى باهتمام متزايد كأحد أبرز الأدوات الاقتصادية وكحل محتمل ومبتكر للأزمات المالية التي تواجهها عديد من الدول لتخفيف أعباء الديون الخارجية، ولاستخدام مقابل الديون بالعملة المحلية في تمويل مشروعات تنموية متفق عليها بين الطرفين، وتحويلها إلى فرص تنمية حقيقية داخل الدولة. وتسهم هذه الاتفاقيات في تعزيز التمويل المتاح للمشروعات الحيوية والتنموية ذات الأولوية القصوى، مما يسهم في زيادة معدل نمو الاقتصاد المصري، وتحقيق التنمية المستدامة التي تخدم أهداف رؤية مصر 2030. حيث تُقدم مبادلات الديون خارطة طريق يمكن تكرارها وتوسيع نطاقها في مجالات متنوعة، مما يوفر مساحة للتنمية في عالم يشهد انكماشًا في الحيز المالي. وتثبت هذه الآلية فائدتها للدول التي تتمتع بأساسيات اقتصادية سليمة ولكنها تواجه ضغوط سيولة مؤقتة. كما تسهم مبادلات الديون في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة(SDGs) ، خاصةً الأهداف المتعلقة بالتعليم، والمياه، والطاقة النظيفة، والعمل المناخي.
وتعزز هذه الاتفاقيات الشراكات بين الدول وتوجه الإنفاق الحكومي نحو أهداف التنمية، لخلق مساحة مالية أكبر وإظهار توافق الأهداف الوطنية مع الأهداف الدولية. وقد اتخذت مصر نهجاً استباقياً في تعزيز إدارة وإصلاح الديون المستدامة، مستفيدةً من الأدوات المبتكرة والشراكات الاستراتيجية.
تُعد صفقات تبادل الديون المصرية أحد أهم الحلول المبتكرة والوسائل بالغة الأهمية التي استخدمتها الدولة خلال السنوات الماضية لتخفيف الضغط على الموازنة العامة وتحقيق عائد مباشر للمواطن. كما تعمل الحكومة المصرية على توسيع نطاق هذه الصفقات، في إطار استراتيجية تهدف إلى إدارة الدين العام بطرق مبتكرة وأكثر ذكاءً، مع الحفاظ على إلتزامات الدولة تجاه الدائنين، وتحقيق أقصى استفادة اقتصادية واجتماعية ممكنة، فبدلاً من سداد الأموال للخارج، يتم استثمار قيمتها في مشروعات قومية وخدمية تدعم الاقتصاد المصري وتوفر فرص عمل وتُحسن مستوى المعيشة. وقد نجحت هذه البرامج في إعادة توجيه التزامات السداد نحو القطاعات ذات الأولوية، مما أدى إلى مواءمة التمويل الخارجي مع أهداف التنمية الوطنية. ومن أبرز الشراكات الناجحة في هذا الإطار إتفاقيات تبادل الديون بين مصر وألمانيا وإيطاليا والصين، حيث تم تخصيص مليارات الجنيهات الناتجة عن هذه الاتفاقيات لتمويل مشروعات كبرى مثل إعادة تأهيل المحطات الكهرومائية والتوسع في إقامة وتطوير محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتطوير المدارس الفنية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي بالريف، ودعم توجه الدولة نحو زيادة مساهمة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة الكهربائية، وخفض استخدام الوقود الأحفوري والحد من الانبعاثات الكربونية والتحول إلى الطاقة الخضراء والعمل على تحقيق الأهداف الدولية والعالمية لمواجهة التغييرات المناخية والحفاظ على البيئة.
ولتعظيم الاستفادة من هذه الاتفاقيات لتطوير وتحديث الجامعات الحكومية والأهلية نقترح ما يلي:
• إعداد دراسات جدوى بالمشروعات الحيوية ذات الأولوية بالجامعات الحكومية والأهلية والتي تحتاج لتمويل مستقل بعد التشاور بين كافة الجهات المعنية بالتنمية لعرضها على أجهزة الدولة المعنية بمبادلة الديون، شريطة وجود الأطر اللازمة لتسهيل البدء في التنفيذ مباشرة، وألا تكون مدرجة بالفعل في الميزانية لضمان عدم ازدواجية التمويل، وأن تكون المشروعات ذات حجم اقتصادي يتناسب مع الوفورات المالية المخصصة، بحيث تغطي تكاليفها بالكامل دون الحاجة إلى تمويل إضافي.
• تقوم الدولة بدراسة هذه المشروعات ومدى ملائمتها لرؤية مصر 2030 لعرضها على الدائنين ضمن مفاوضات مبادلة الديون وفي حالة التوصل للاتفاقيات تلتزم الدولة بتوجيه تمويل مباشر للمشروعات الفائزة بالتمويل، حيث يمثل هذا مصدر تمويل إضافي لايعتمد على الميزانية العادية.
• إنشاء صناديق إئتمانية(Trust Funds) أو آليات حوكمة وأطر عمل قوية تضمن تخصيص الأموال لدعم مشاريع الجامعات ورقابة وتقييم ومتابعة صرفها بكفاءة وبما يعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المشاريع، لتقليل احتمالات سوء الإدارة وتحقيق الأهداف المحددة، مع إجراء تحليلًا دقيقًا لتكاليفها وفوائدها للتأكد من أن الصفقة تبرر تكلفة الدعم المقدم وتكاليف العملية نفسها.
• أن تتوافق المشاريع الممولة مع الأولويات الوطنية، وألا تُستخدم لتحقيق مكاسب مؤقتة، وأن تكون حوكمة المشروع وتنفيذه مستدامين على المدى الطويل، لضمان تحقيق الأثر الإيجابي للمشاريع.
ويمكن توظيف واستخدام هذه الأموال في مجموعة واسعة من مشاريع تطوير وتحديث الجامعات كمثال:
– بناء وتحديث المرافق والبنية التحتية والمعامل والمكتبات ومراكز الأبحاث وشراء المعدات التكنولوجية والعلمية الحديثة اللازمة للتدريس والبحث العلمي للجامعات الحكومية والأهلية.
– تمويل المنح الدراسية للطلاب المتفوقين ودعم برامج تدريب وتأهيل أعضاء هيئة التدريس والعاملين وتمويل الأبحاث العلمية الهامة والمبتكرة.
– بناء وتطوير وتحديث وزيادة القدرة الاستيعابية ورفع كفاءة المستشفيات الجامعية.
– تطوير برامج أكاديمية جديدة أو تعزيز التعاون البحثي مع جامعات أجنبية.
– تطوير التعليم الإلكتروني عبر إنشاء منصات ومقررات تعليمية تفاعلية عبر الإنترنت، مع تيسير تحديث المناهج الدراسية وتطوير المقررات لتكون أكثر مواكبة لمتطلبات سوق العمل العالمي.
– حوكمة الإدارة الجامعة وميكنة كافة الإجراءات الإدارية.
أ.د. مجدي الحسيني عليوه
أستاذ العلاج الطبيعي
العميد السابق لكلية التربية الرياضية
جامعة الزقازيق
باحث في التخطيط للتنمية








