البنية التحتية (الخدمات العامة) هي مقياس لمكانة الدولة وإمكانياتها المتاحة لجذب الاستثمارات محليا ودوليا، وتعكس رؤيتها وقدرتها على المنافسة على المستوى العالمي، وتعزز القدرة الإنتاجية، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وتتضح أهميتها عالميا بكونها الميزة الثانية التي يتم تقييمها من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي لتحديد القدرة التنافسية للدولة. وصنف الاستثمار في البنية التحتية على أنه نفقات حكومية منتجة وداعمة للنمو الاقتصادي، وبمثابة تحفيز مالي أو تنشيطي أو كمدخل لرفع الإنتاجية العامة للمدخلات الأخرى، باعتباره مكمل لرأس المال المادي والبشري، وهو جزء مهم من السياسة الاقتصادية، وأحد مقومات عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية. حيث يعد الاستثمار في البنية التحتية من العوامل الحاسمة لتحقيق النمو الاقتصادي، وكحل لعدد من المشكلات مثل تحسين جودة الحياة والفقر والبطالة وهجرة السكان من المناطق الريفية ورفع مستوى المعيشة ولتمكين الافراد من الوصول إلى خدمات مهمة مثل التعليم والرعاية الصحية، وربط العمال بوظائفهم، ومشاركة ثمار النمو بطريقة عادلة، وتحفز المساواة في الدخل، بما ينعكس على راس المال البشري ومعالجة أهداف التنمية الأوسع.
فضلا عن أن تحسين البنية التحتية شرطًا ضروريًا لجني فوائد المشاركة في سلاسل القيمة العالمية، وتحسين الهيكل الاقتصادي، وتوفير الإمدادات، ودعم الحركة الفعالة للسلع والخدمات عبر الحدود، وسرعة نقل المعلومات، وخفض تكاليف التنسيق ولتيسير المشاركة في سلاسل القيمة العالمية. حيث تُعد البنية التحتية وشبكات النقل العصب الرئيسي الذي تقوم على أساسه برامج التنمــية الاقتصادية والاجتماعـية، إذ تتأثر اقتصادات الدول ومعدلات النمو بها بمدى كفاءة شبكات ووسائل النقل بصورة كبيرة، وتُعدُّ من أهم أدوات التنمية الشاملة التي تشمل يشمل أهدافا إجتماعية أكثر مثل تلبية الاحتياجات الأساسية لمعيشة الشعب وتوزيع التنمية الإقليمية وحماية البيئة الطبيعية وتوفير الخدمات الأساسية للمجتمع، وتعزيز النشاط الاقتصادي بالمناطق الأقل تطورًا، فهي لاتقلل المسافة بين المناطق فحسب، بل تدمج أيضًا الأسواق الوطنية وتربطها بالاقتصادات الأخرى، وتتيح سهولة الربط بالموانئ، التي تُعد بوابات التجارة الدولية. ويمثل نقصها عقبة رئيسية تعوق التنمية الاجتماعية والاقتصادية بشكل عام، والفروق بين البلدان في نمو الإنتاجية يمكن تفسيرها جزئيًا بالاختلافات في مستوى الاستثمار بها.
ساعدت البنية التحتية المادية في حدوث الثورة الصناعية الجبارة للنمور الآسيوية وتسريع عملية التصنيع القائم على التصدير، ومكنت المجمعات الصناعية المجهزة بالطاقة والنقل في تحويل هذه الدول من اقتصادات زراعية إلى قوى صناعية كبرى في وقت قياسي، وانتقل اقتصادها من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة التنمية العالية الجودة. حيث استثمرت هذه الدول بكثافة في تطوير وإحلال وتجديد الموانئ والمطارات والمرافق الصناعية والطرق والموانئ والسكك الحديدية والتعليم والاتصالات والخدمات، ودعم قطاع الصناعة والتصدير. وساهم الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والتدريب المهني والفني على تطوير الموارد البشرية (بنية تحتية بشرية ناعمة) بجانب البنية التحتية المادية، وخلق عمالة ماهرة، قادرين على تشغيل وإدارة المشاريع الصناعية والتقنية المعقدة، وقضت على الأمية بين شعوبها، وخفضت معدلات الفساد في الدواوين الحكومية من خلال فرض تدابير تنظيمية صارمة، ودعمت قطاعات السياحة والخدمات والانفتاح التجاري، مما سهل حركة البضائع والخدمات بفعالية وتحويلها لمراكز تجارية وخدمات لوجستية عالمية، وساعد على تحفيز النمو الاقتصادي وجعل اقتصاداتها أكثر كفاءة وقدرة على العمل والتنافس عالمياً، ووفّرت بيئة عمل جاذبة للشركات متعددة الجنسيات التي كانت تبحث عن مراكز إنتاج منخفضة التكاليف وذات كفاءة عالية، عبر شبكات نقل متطورة وموانئ ومطارات حديثة، مما مكن منتجات هذه الدول من المنافسة بقوة في الأسواق العالمية بأسعار منخفضة وجودة عالية، كما أدى الاستقرار في أنظمة الطاقة والاتصالات إلى تقليل مخاطر وتكاليف التشغيل للمستثمرين، وسمحت بتوطين الصناعات، وخفض الضرائب وتجنيب البلاد للديون، وبناء احتياطيات كبيرة من رأس المال والمدخرات، وإنشاء بيئات اقتصادية كلية مستقرة، إضافة إلى الدور المهم الذي لعبته السياسة الحكومية في تحفيز الاستثمار الخاص، وتنفيذها برامج لمساعدة الفقراء، ونموذجاً يُحتذى به في التنمية الاقتصادية. وكذلك في كيفية استغلال الاستثمار الاستراتيجي في البنية التحتية لتحويل القيود الجغرافية أو الاقتصادية وندرة الموارد الطبيعية إلى ميزات تنافسية عالمية. لذلك تعد تجربتهم الاقتصادية الناجحة بمثابة نماذج يحتذى بها للعديد من دول أشبال النمور، وهم إندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند، ومن خلفهم فيتنام وبنجلاديش.
ومؤخرا استلهمت مصر من تجربة النمور الآسيوية أهمية الاستثمار في البنية التحتية وأبدت إهتماما كبيرا بها بخططها ورؤيتها الاستراتيجية، وأظهرت طفرة ملحوظًة في حجم الاستثمارات في البنية التحتية للنهوض بالدولة ورفع كفاءتها في جميع المجالات. وبما يتوافق مع المستهدف لرفع مستوى الدخل القومي. وإنعكس ذلك على مرتبة مصر بتقرير التنافسية العالمية. وقد ساهم ذلك في دعم النمو الاقتصادي في مصر بصورة ملحوظة، وأصبحت أكثر قدرة على استيعاب المزيد من الأنشطة الاستثمارية، كما ساهم في رفع مستوى الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية، مما أدى إلى زيادة معدلات التنمية العمرانية في تلك المناطق الجديدة، وتوفير أكثر من 3 ملايين فرصة عمل جديدة، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة بلغت حوالي ٦-٧٪. كما شرعت الدولة في تهيئة بيئة محفزة للقطاع الخاص لمضاعفة دوره على المدى المتوسط إلى ٦٥٪ لتلبية متطلبات توسعات الأنشطة الاستثمارية. وأحسنت الدولة توظيف القروض في مشاريع استثمارية تنموية، تحولت إلى أصول ثابتة ومشروعات قائمة على الأرض، من طرق وموانئ ومطارات ومحطات كهرباء ومدن جديدة، وقد تضاعفت القيمة السوقية لها حاليًا وأصبحت تشكل رصيدًا حقيقيًا للدولة والشعب. حيث أنه كلما نما حجم الاقتصاد، أو الناتج المحلى الإجمالى، بمعدل أسرع من نمو الدين، إنخفضت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الاجمالي، حتى لو ظل الدين الاسمى مرتفعًا.
ولتعظيم الاستفادة من القفزة الكبيرة في البنية التحتية بمصر نقترح الآتي:
– الإنتهاء من عمليات التحول الرقمى لتحقيق نقلة نوعية لمصر وزيادة تنافسيتها، والإنتهاء من منصة الكيانات الاقتصادية لانجاز كافة الخدمات الاستثمارية والتصديرية من خلال المنصة الرقمية.
– التركيز على القطاعات الجالبة للعملة الصعبة كثيفة العمالة مثل الصناعات الثقيلة والزراعة التصديرية، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، للمساهمة فى التنشيط السريع للاقتصاد.
– تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعي وإقامة المصانع بقربها وتجهيزها بصورة مصنعة أو نصف مصنعة ونقلها للتصدير عبر شبكات الطرق الحديثة لتحقيق القيمة المضافة.
– الحد من الفجوة بين تطوير وتحديث البنية التحتية وتطوير التعليم لتأثيرها السلبي على الموارد البشرية والحاجة الماسة لها بالمرحلة الحالية والمقبلة.
– تطوير الطرق السريعة والمواصلات الحديثة التي تربط المدن الصناعية الكبيرة بمصادر القوى البشرية العاملة بالقضاء على الإختناقات المرورية، وخفض زمن الرحلة من قراهم ومدنهم إلى أماكن عملهم (على سبيل المثال: طريق العاشر من رمضان- الزقازيق وغيرها).
أ.د. مجدي الحسيني عليوه
أستاذ العلاج الطبيعي
العميد السابق لكلية التربية الرياضية
جامعة الزقازيق
باحث في التخطيط للتنمية








