وماذا بعد .. آلاف المستفيدين خارج الحسابات داخل قطاع الكهرباء أكثر من 20 ألف عامل بكهربة الريف بين وثيقة تأمين مهدرة وزيادات سخية لغيرهم تحقيق يكشف كيلا صارخا بمكيالين داخل قطاع واحد ولماذا تُصرف مكافآت نهاية خدمة تصل إلى 750 ألف جنيه لجهات بينما تُجمد حقوق قانونية لعمال كهربة الريف منذ 2012
من يعرقل إنصاف أكثر من 20 ألف عامل بكهربة الريف؟
قصة حقوق ثابتة بالقانون تُقابل بالتعطيل وأموال تُدعم هنا وتُمنع هناك
تحقيق احمد عسله
في الوقت الذي تعلن فيه الدولة وعلى أعلى المستويات التزامها بحماية حقوق العاملين وترسيخ العدالة الاجتماعية يظل ملف موظفي كهربة الريف واحدًا من أكثر الملفات التي تكشف التناقض الصارخ بين ما يُقال وما يُنفذ. قضية ممتدة منذ أكثر من عقد مكتملة الأركان لا تقوم على ادعاءات أو انطباعات وإنما على قرارات وزارية صريحة ومستندات رسمية وأرقام معلنة وسوابق تطبيق داخل قطاع الكهرباء نفسه.
أكثر من 20 ألف موظف بكهربة الريف لم يطلبوا يوما امتيازا خاصا ولم يسعوا إلى معاملة استثنائية ولم يطالبوا بمنحة أو مكافأة طارئة كل ما طالبوا به هو تطبيق القانون وتنفيذ القرارات الوزارية الصادرة وصرف حقوق جرى خصمها من رواتبهم لسنوات طويلة تحت مسمى وثيقة تأمين قبل أن تُوقف فجأة دون إخطار أو موافقة جمعية عمومية.
لسنوات اشترك العاملون بكهربة الريف في وثيقة تأمين واضحة البنود تنص على صرف 50 شهرًا على آخر مرتب شامل عند الإحالة للمعاش أو الوفاة إلى جانب 12 شهرًا على آخر مرتب أساسي مقابل اشتراك ثابت بنسبة 5% يُخصم شهريا من شريط المرتب.
كان الموظف يرى الخصم ويدرك سببه ويبني عليه خطته لمستقبل أسرته بعد التقاعد ثم في مارس 2012 ودون أي إنذار مسبق توقف الخصم.
لا قرار معلن.
لا تعديل موثق.
لا موافقة جمعية عمومية.
ولا إخطار لأصحاب الشأن.
الصدمة جاءت لاحقا عند خروج أول دفعات للمعاش حين أُبلغوا بأن الصرف سيكون على أساس مرتب مارس 2012 فقط وأن ميزة الخمسين شهرًا لم تعد قائمة.
تبرير إداري مختصر: «الاشتراك توقف». لكن السؤال الذي لم يُجب عنه أحد حتى اليوم: من الذي أوقف الخصم؟ وبأي سند قانوني؟ ولماذا لم يُستفتَ العاملون؟
القانون هنا لا يحتمل التأويل. قانون العمل ينص بوضوح على بطلان أي إجراء يتضمن تنازل العامل عن حق من حقوقه ولو تم برضاه. فما بالك بإجراء لم يُعرض أصلًا على العاملين ولم يصدر بشأنه أي تصويت أو موافقة جماعية؟
وتزداد خطورة القضية حين توضع في سياق المقارنة داخل القطاع نفسه. ففي الوقت الذي توقفت فيه وثيقة تأمين كهربة الريف وافق مجلس إدارة الشركة القابضة لكهرباء مصر والجمعية العمومية بالوزارة وهيئة الرقابة المالية على زيادة ميزة مكافأة نهاية الخدمة لصندوق الرعاية الاجتماعية للعاملين بالوزارة والشركة القابضة، وشركاتها التابعة «نقل – إنتاج – خدمات طبية».
النتيجة صرف مكافأة نهاية خدمة تصل إلى 750 ألف جنيه لكل مستفيد بعد تدبير الموارد المالية اللازمة وبموافقة رسمية كاملة رغم ما يُقال عن «الظروف المتردية التي يمر بها القطاع».
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه أكثر من 20 ألف موظف بكهربة الريف
إذا كانت الظروف تسمح بزيادة الميزة وصرف 750 ألف جنيه لفئات داخل القطاع فلماذا تُستخدم الظروف نفسها ذريعة لحرمان موظفي كهربة الريف من حقوق مقررة بالقانون والقرارات الوزارية؟
اللافت أن نفس مجلس إدارة الشركة القابضة برئاسة المهندس جابر الدسوقي وافق ووقّع على دعم صندوق الرعاية الاجتماعية وصرف الزيادات بينما يرفض حتى الآن زيادة أو استكمال دعم وثيقة تأمين كهربة الريف رغم أن القانون رقم 13 لسنة 2007 والقرارات الوزارية الصادرة من الوزير المختص تنص على أن تتحمل الشركة القابضة وشركاتها التابعة «نقل وتوزيع» كل ما كانت تتحمله هيئة كهربة الريف من التزامات.
الأخطر أن وقف الخصم تم في مارس 2012 دون موافقة الجمعية العمومية لموظفي كهربة الريف في الوقت الذي جرى فيه الحصول على موافقات الجمعيات العمومية للعاملين بالوزارة والشركة القابضة وشركاتها التابعة لزيادة مزاياهم. معايير مزدوجة داخل قطاع واحد وحقوق تُدار بمنطق الانتقاء.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك إذ تشير المستندات إلى وجود ودائع وأموال وأصول تقدر بمئات الملايين من الجنيهات جرى استرداد بعضها من شركة مصر للتأمين ونُقلت أصول أخرى من كهربة الريف إلى شركات توزيع دون تسوية عادلة أو مقابل واضح لأصحاب الحق.
ورغم الشكاوى المتكررة والمذكرات المدعمة بالمستندات وآخرها توصيات اللجنة التي شكلها وزير الكهرباء نفسه وأقرت بأحقية موظفي كهربة الريف في صرف كامل المزايا ما زال الملف معلقًا منذ أكثر من 13 عاما.
في 21 يونيو 2025 تمت زيادة مكافأة نهاية الخدمة بصندوق الرعاية الاجتماعية للعاملين بالوزارة والشركة القابضة وشركاتها التابعة في الوقت الذي استُخدمت فيه «الظروف المتردية» كسيف مسلط على رقبة موظفي كهربة الريف وحدهم.
القضية لم تعد شأنا عماليا محدودا ولا خلافًا إداريا قابلا للتأجيل بل تحولت إلى قضية عدالة واضحة المعالم. أكثر من 20 ألف موظف يطالبون بتطبيق القانون وتنفيذ القرارات الوزارية وصرف حقوق ثابتة لم تُلغَ ولم تُعدل.
إلى رئيس الوزراء والبرلمان ووزير الكهرباء
إنصاف موظفي كهربة الريف ليس عبئا على الدولة بل تصحيح مسار ورسالة ثقة لكل عامل بأن العدالة لا تُجزأ وأن الحقوق لا تضيع بالصمت وأن قطاعا واحدا لا يجوز أن يُدار بمعايير متناقضة.
الملف ما زال مفتوحا…
والقرار العادل وحده هو الكفيل بإغلاقه.








