إلى الأمام لكن قبل أن نتحرك خطوة علينا أن نلتفت خلفنا قليلا لا لنرثي الماضي بل لنقيس به الحاضر.
حدث هذا السؤال في رأسي فجأة بلا مقدمات كطعنة هادئة لكنها عميقة
هل نضبت قريتنا غزالة؟ هل جف نبعها؟
هل خبأ نورها؟أم أننا فقط لم نعد نرى؟
غزالة قرية العلم والإيمان أول العلم وأول القرآن.
رغم علمى ويقينى ان اسمها وحده كان شهادة ومكانتها لم تكن يوما بحاجة إلى لافتة.
مادفعنى للكتابة عن قريتى اننى تابعت باهتمام بالغ ما كُتب عن قرية الضهرية من زميل فاضل لى وعن الاحتفاء بالقارئ الطفل عمر علي وعن صورةٍ أوقفت الطريق وأربكت السير وجعلت الناس تنزل من سياراتها لا لتشكو الزحام بل لتلتقط صورة مع الفرح.
فرحت لهم والله.
لكن السؤال تسلل إليّ دون استئذان وأين نحن؟ أى اين غزالة من هذا ابمشهد النورانى الجميل ؟
هل غزالة التي أنجبت وربّت وعلّمت وحفّظت القرآن صارت اليوم بلا قراء؟ هل أرضها التي كانت تخرج العلماء كما تخرج الزرع صارت بورًا؟ أم أن العيب ليس في الأرض بل في عيون لم تعد تلتفت؟
غزالة ليست قرية عادية في جغرافيا الشرقية ولا في ذاكرتها بل هي قرية حملت القرآن قبل أن تحمل اللافتات وحفظته في الصدور قبل أن يُعلّق في الإطارات بيوتها كانت كتاتيب ومساجدها كانت مدارس ومشايخها كانوا منارات لا تُطفأ ومازالت ومازالوا ومن بين أبنائها يقف اسم لا يحتاج إلى تعريف الصحفي والأديب الكبير ثروت أباظة ابن الباشا الدسوقي باشا أباظة لكنه قبل كل شيء ابن القرآن قليلون يعرفون أو يريدون أن يعرفوا أن ثروت أباظة كان حافظا لكتاب الله عن ظهر قلب لا حفظ تلاوة فقط بل حفظ فهم وتدبر كان يعرف القرآن كأنه كُتب في قلبه قبل أن يُكتب في المصحف ومن هذا النبع خرج أدبه وسرده وشخصياته وصراعه الأزلي بين الحق والباطل فمن القرآن استقى الباشا ثروت اباظة الغفران وشيء من الخوف وخشوع وبريق في السحاب وطارق من السماء ورؤوس في السماء وبالحق نزل وكتابه العميق السرد القصصي في القرآن الكريم.
ومن القرآن خرجت الجملة التي هزّت الوجدان المصري «جواز عتريس من فؤادة باطل» فهى ليست جملة درامية فقط بل فتوى أخلاقية وصرخة وعي وميزان عدل.
هذا الرجل النورانى الجميل الزاهد لم يكن استثناء طارئا بل ثمرة بيئة .بيئة اسمها غزالة. غزالة العلم والادب والايمان والقرآن
وإذا اتسعت الدائرة قليلا ونظرنا إلى محافظة الشرقية كلها سنفهم أن غزالة لم تكن يوما جزيرة معزولة بل جزءا من نسيج علمي وأزهري عريق فمن هذه الأرض او من على بعد كيلو مترات قليلة من الشرقية خرج الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي من دقادوس أحد أعلام التفسير في العصر الحديث الذي أعاد القرآن إلى بيوت الناس بلغة القلب والعقل معا ومن الشرقية أيضا خرج علماء أزهريون كبار تولوا التدريس والدعوة والقيادة داخل الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف وحملوا المنهج الوسطي المصري إلى داخل القرى وخارج الحدود.
وحين نوسع الدائرة قليلا وننظر إلى الشرقية كلها تتضح الصورة أكثر ويتبدد السؤال.
فالشرقية ليست مجرد محافظة بل خزان الأزهر ورافد الدولة الديني والفكري منذ قرون وأرضا لم تنقطع يوما عن إنجاب العلماء وحملة القرآن وصُناع الوعي.
من هذه الأرض خرج الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الفيلسوف الصوفي وأحد أكثر العقول الأزهرية عمقا وتأثيرا في العصر الحديث رجل أعاد للخطاب الديني روحه وربط بين العلم والتزكية وبين الفقه والسلوك فكان نموذجا للعالم الذي يجمع بين صفاء الروح وصلابة المنهج.
ومن الشرقية أيضا جاء الدكتور أحمد عمر هاشم العالم الجليل، ورئيس جامعة الأزهر الأسبق وأحد أعمدة الفكر الوسطي الرصين الذي حمل رسالة الأزهر إلى المحافل الدولية ودافع عن صحيح الدين بعلم وحكمة جامعا بين الحضور الأكاديمي والقبول الشعبي.
وفي ميدان الفتوى يبرز اسم الشيخ عطية صقر الذي استحق عن جدارة لقب “ملك الفتوى”إذ أعاد للفتوى هيبتها ومنهجها فكان ميزانا دقيقا بين النص والواقع لا إفراط ولا تفريط ومرجعا موثوقا في القضايا المعاصرة والنوازل الكبرى.
أما دولة التلاوة فقد كان للشرقية فيها نصيب وافر فأنجبت قراء حملوا القرآن صوتا وروحا من بينهم الشيخ محمد الليثي بصوته الرخيم وأدائه المتقن والشيخ السيد متولي أحد الأصوات التي جسدت المدرسة المصرية الأصيلة في التلاوة فهما وأداء وخشوعا.
وفي عمق التاريخ والثقافة الإسلامية يطل علينا الشيخ عبد الله الشريفاوي أحد كبار علماء الساحل الشرقي للشرقية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تولى رئاسة جامعة الأزهر وشارك بعلمه وموقفه في مقاومة الحملة الفرنسية فكان نموذجًا للعالم الذي لم ينفصل علمه عن قضايا وطنه.
ومن قرية حفنا بالشرقية خرج الشيخ محمد الحفني العالم الفقيه والشاعر الإسلامي الذي تدرّس بالأزهر ونال إجازة الإفتاء وترك مؤلفات في الفقه واللغة جسدت تزاوج العلم بالبيان والعقل بالروح.
ولا يكتمل هذا المشهد دون التوقف أمام معهد الزقازيق الديني هذا الصرح العلمي العريق الذي تأسس عام 1924 وكان منطلقا لعدد كبير من العلماء الذين تولوا مواقع قيادية في الأزهر والدعوة والتعليم.
من بين جدران هذا المعهد تخرّج الشيخ عبد الحليم محمود وتلقى فيه الشيخ محمد متولي الشعراوي علومه الأولى وإن لم يكن شرقاوي المولد إلا أنه كان شرقاوي التكوين العلمي كما خرج منه الدكتور أحمد عمر هاشم إلى جانب عشرات العلماء والدعاة والشعراء الذين حملوا رسالة الأزهر داخل مصر وخارجها.
أما غزالة نفسها فقد كانت ولا تزال بيئة حاضنة للتعليم الأزهري تخرّج منها ومن مدارسها ومعاهدها من حفظة القرآن والمعلمين والموجهين وأبناء الأزهر الذين خدموا في التعليم والدعوة وإن لم تُسلَّط عليهم الأضواء أو تُرفع لهم الصور أو تُكتب عنهم المقالات.
فهل يُعقل بعد كل هذا أن تكون غزالة قد نضبت؟ هل يُعقل أن تكون الأرض التي حفظت القرآن في صدور أبنائها وعلمته جيلًا بعد جيل قد عقمت فجأة؟ أنا لا أصدق ذلك ولا أقبله.
الحقيقة المؤلمة أن المواهب موجودة لكن الاحتفاء غائب والحفظة موجودون لكن الضوء مُسلَّط في اتجاه آخر والنماذج الحقيقية تعيش في الظل بينما الضجيج يذهب لمن يعرف كيف يرفع صوته لا لمن يستحق.
غزالة ليست وحدها الشرقية كلها خزان بشر وكنز مواهب وأرض لا تنضب منها خرج العلماء والدعاة والمفكرون والقيادات والرموز الوطنية في كل مجال.
لكن السؤال الأكبر من يلتفت؟ ومن يقرر أن يفرح بالخير قبل أن يبحث عن الإثارة؟
رفع صور القراء الأطفال ليس ترفا ولا مجاملة ولا دعاية هو رسالة.رسالة تقول إن هذا المجتمع لا يزال يعرف قيمة القرآن ويحتفي بالنور ويُقدّم القدوة..
ومن هنا فإن السؤال ليس هل نضبت غزالة؟
بل هل قصّرنا في أن نراها كما يجب؟
رسالة إلى كل مسؤول وكل مثقف وكل صاحب قرار في الشرقية انزلوا القرى فتّشوا عن النور في البيوت لا في المكاتب ابحثوا عن حفظة القرآن وعن الموهوبين وعن النماذج الحية قبل أن يبتلعهم النسيان.
غزالة لم تنضب غزالة تنتظر فقط من يقول لها نراك ونفخر بك ..
ويبقى السؤال الحقيقي بعد هذا العرض الطويل ليس عن غزالة وحدها ولا عن الشرقية فقط بل عن منطقنا في الحكم على القرى والأقاليم.
هل نقيس قيمة المكان بما نراه اليوم فقط؟
أم بما أنجبه عبر تاريخه وما لا يزال قادرا على إنجابه إن أُحسن النظر إليه؟
إن القرى لا تنضب فجأة لكنها تُهمل ببطء.
والمواهب لا تختفي لكنها تُترك بلا اكتشاف ولا احتضان ولا إضاءة.
والقرآن لم يغب عن صدور أهالينا لكن المجتمع أحيانا يغيب عنه الانتباه إلى من يحملونه.
غزالة مثلها مثل عشرات القرى المصرية لم تكن يوما مصنع نجومية بل كانت مصنع قيم.
لم تُخرّج ضجيجا بل أخرجت علما.
ولم تصنع استعراضا بل أنجبت رجالا ونساء عاشوا في صمت وتركوا أثرا لا يُمحى.
ومن الخطأ الفادح أن نربط وجود الموهبة بوجود صورة له معلّقة أو أن نختزل العلم في لافتة أو أن نظن أن النور لا يكون نورا إلا إذا أضاءته الكاميرات.
ما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من اللافتات بل سياسة وعي مشروع حقيقي لاكتشاف حفظة القرآن ورعاية المتفوقين وإحياء النماذج الهادئة التي تعمل في صمت مشروع يعيد للقرية ثقتها في نفسها وللناس إيمانهم بأن الخير لا يزال قريبا وإذا كانت صورة قارئ طفل قد أوقفت الطريق في قرية فربما آن الأوان أن نوقف نحن طريق النسيان في قرى أخرى وأن نعيد الاعتبار لأماكن صنعت تاريخ هذا الوطن قبل أن تطالبنا الأجيال القادمة بتفسير صمتنا.
غزالة لم تنضب والشرقية لم تنضب ومصر لا تنضب لكنها تنتظر فقط من ينحاز للنور قبل أن ينطفئ والله المستعان..









