***حين يُثار الجدل حول السُّنة النبوية لا يكون الخلاف في جوهره خلافا دينيا فحسب بل يصبح اختبارا حقيقيا لمنهج التفكير ذاته
هل نحتكم إلى العلم أم إلى الانطباع؟
هل نناقش بالمنهج أم نُحاكم بالهوى؟
وهل نبحث عن الحقيقة أم نكتفي بإثارة الشك؟
ومع كامل الاحترام للدكتور حسام بدراوي فإن ما طُرح من تشكيك في السُّنة النبوية يفرض علينا لا أن نغضب بل أن نُفكر ولا أن نهاجم بل أن نُوضح لأن أخطر ما يواجه الأوطان والأديان معا هو اختزال القضايا الكبرى في عناوين مُربِكة أو جُمل قاطعة لا تسندها قواعد البحث العلمي الرصين.
أولًا: المعرفة الإنسانية أوسع من الورق والحبر
المعرفة البشرية لم تبدأ بالكتابة ولن تنتهي بها.
فالإنسان عرف الحقيقة قبل أن يعرف القلم وتناقل العلم قبل أن يعرف الورق.
وقد اتفق الفلاسفة والعلماء على أن مصادر المعرفة الإنسانية ثلاثة:
العقل والحواس السليمة والخبر الصادق.
والخبر الصادق هو عماد التاريخ وأساس العلوم الإنسانية وجسر العبور بين الأجيال.
ولو سقط “الخبر الصادق” لسقط معه التاريخ والعلوم والذاكرة الإنسانية كلها.
ثانيًا: هل الكتابة شرط للحقيقة؟
القول بأن ما لم يُكتب لا يُوثق قولٌ لو طُبق بصرامة لنسف نصف ما نؤمن به اليوم:
– لم نشهد الثورات الكبرى لكننا نؤمن بها.
– لم نرَ أرسطو ولا أفلاطون لكننا ندرس فلسفتهم.
– لم نُعايش رواد الطب والفيزياء لكننا نثق في نقل علومهم.
فهل أصبح القلم فجأة هو معيار الصدق الوحيد؟
أم أن الصدق يُعرف بموثوقية الناقل لا بوسيلة النقل فقط؟
ثالثًا: السُّنة نُقلت بمنهج لا بعشوائية
السُّنة النبوية لم تُنقل همسا في الظلام ولا عاطفة في المقاهي بل نُقلت بمنهج علمي فريد:
سلاسل رواة تواريخ أماكن ضبط عدالة مقارنة نقد تصحيح وتضعيف.
علم كامل اسمه “علم الحديث” لا يعرفه من يتعامل مع السُّنة كحكاية شعبية.
ولم يعرف التاريخ البشري علما دقّق في الرجال كما دقّق المسلمون في رواة الحديث:
من وُلد؟
من عاش؟
من نسي؟
من أخطأ؟
من تغيّر؟
من اختلط؟
من كذب؟
كل ذلك موثّق مكتوب ومتاح.
رابعًا: خرافة التأخير في التدوين
الزعم بأن السُّنة لم تُكتب إلا بعد ثلاثمائة عام زعم يحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة.
فالكتابة وُجدت في عصر النبي نفسه وكتب بعض الصحابة بإذنه بل وبأمره أحيانا.
غير أن التدوين الشامل المنهجي جاء لاحقا لا لغياب المادة بل لتنظيمها وضبطها.
وهنا الفارق الجوهري بين:
غياب الكتابة…
وتأخر الجمع الرسمي.
خامسًا: العقل الذي يرفض السُّنة يناقض نفسه
العقل الذي يرفض السُّنة بدعوى النقل هو ذاته عقل يقبل كل حياته على النقل.
فلا أحد يعيد اختراع الطب ولا يختبر بنفسه كل قانون علمي.
نحن نعيش على الثقة ونبني حياتنا على الخبر الصادق.
فلماذا يصبح النقل مقبولا في كل شيء ومرفوضا فقط حين يكون عن رسول الله؟
سادسًا: القرآن نفسه لا يُفهَم بلا سُنّة
القرآن لم يأتِ كتاب تعليمات تفصيلية بل كتاب هداية وتشريع عام.
لم يُفصّل كيفية الصلاة ولا عدد ركعاتها ولا شروط صحتها.
لم يُفصّل أركان الزواج ولا ضوابط الطلاق ولا تفاصيل المعاملات.
فإما أن نقبل السُّنة مفسّرة أو نعترف بأننا عاجزون عن تطبيق القرآن ولا خيار ثالث.
سابعًا: التشكيك غير المنضبط خطر حضاري
التشكيك في السُّنة ليس مسألة فكرية معزولة بل مدخل خطير:
– تفريغ الدين من محتواه العملي.
– تحويل الإيمان إلى تجربة فردية بلا ضابط.
– إسقاط المرجعية لصالح الأهواء الشخصية.
– فتح باب العبث باسم “العقل”.
والتاريخ يُخبرنا أن أول ما يُهدَم في أي أمة هو مرجعيتها لا جدرانها.
ثامنًا: النقد حق… والهدم جريمة فكرية
نعم في السُّنة صحيح وضعيف.
ونعم العلماء اختلفوا ونقدوا وصحّحوا.
لكنهم لم ينسفوا ولم يُلغوا ولم يُسقِطوا المنهج كله بسبب إشكال جزئي.
وهنا الفرق بين عقلٍ ناقد
وعقلٍ ناقم…
ياسادة هذه ليست معركة بين دين وعلم ولا بين عقل ونقل بل بين منهجٍ راسخ وانطباعٍ عابر.
السُّنة النبوية لم تصمد أربعة عشر قرنا لأنها مقدسة فقط بل لأنها خضعت لأقسى اختبارات العقل والنقد والتاريخ.
وإعادة النظر فضيلة لكن بشرط أن تكون بعين الباحث لا بعجلة المشكك ولا بسطحية العناوين.
هذا مقال لله…
وللأجيال.








