*** لم تعد الصفحات المشبوهة على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد ظاهرة هامشية يمكن تجاهلها أو الضحك عليها بل تحولت إلى معضلة حقيقية تمس أمن المجتمع واستقراره النفسي وتضرب في عمق الثقة بين المواطن والمعلومة وبين الناس وبعضهم البعض.
نحن أمام مشهد رقمي منفلت بلا ضوابط مهنية أو أخلاقية تتحرك فيه صفحات وأشخاص كأنهم فوق المساءلة يصنعون الأكاذيب ويغذّون الفتن ويتاجرون بالخوف والحزن دون أدنى اعتبار لتداعيات ما يفعلون.
القضية لم تعد «بوست غلط» أو «سبق صحفي وهمي» بل أصبحت صناعة كاملة لتزييف الوعي تبدأ بخبر وفاة كاذب ولا تنتهي عند شائعة سياسية أو اجتماعية قادرة على قلب الرأي العام وإرباك الشارع في ساعات قليلة.
الموت المفبرك أبشع أشكال العبث بالمشاعر
من أخطر ما انتشر مؤخرا تعمّد بعض الصفحات نشر أخبار وفاة غير حقيقية لأشخاص أحياء بينهم مسؤولون وصحفيون وأطباء ورجال أمن وشخصيات عامة بل وأحيانا مواطنون عاديون.
بوست واحد مصاغ بعبارات دينية مؤثرة وصورة قديمة كفيل بأن يصنع حالة هلع حقيقية أسر تفزع أمهات ينهارْن هواتف لا تتوقف قلوب ترتجف وبيوت تدخل في صدمة ثم يخرج صاحب الصفحة ليقول «آسفين الخبر غير دقيق».
هل هذه سذاجة؟ أبدا.
إنه استهتار فج بالمشاعر الإنسانية وجريمة أخلاقية قبل أن تكون مهنية أو قانونية.
من الموت إلى السياسة للأسف نفس الأدوات ونفس القذارة
اللافت أن نفس الصفحات التي تتاجر بالموت هي ذاتها التي تعبث بالسياسة والحياة العامة واغلبها يديرها تجار سموم وآثار ودلاديل وامعات .
نراها يوما تُعلن «رحيل مسؤول» ويوما آخر تُصدر «قرارات وهمية» وثالثًا تتحدث عن «انقسامات داخل مؤسسات الدولة» مستخدمة مانشيتات صادمة بلا مصدر ولا سند وعناوين من نوعية
– «قرارات خطيرة تُطبخ في الخفاء»
– «مصدر سيادي يكشف مفاجآت»
– «الأيام القادمة سوداء»
كلها عناوين مصممة لإثارة القلق لا لإعلام الناس فالهدف ليس الحقيقة بل التفاعل وليس الوعي بل الشحن وأحيانا تنفيذ أجندات سياسية خسيسة تضرب الاستقرار وتزرع الشك في كل شيء..إساءة للأشخاص وتشويه للسمعة باسم التريند
لم تسلم السمعة الشخصية من هذا العبث صحفيون أطباء رجال أمن مدرسون مسئولون محليون نواب إعلاميون مواطنون عاديون
يكفي أن تختلف مع الصفحة أى صفحة أو أن يكون اسمك قابلا للتداول لتجد نفسك فجأة بطل قصة مفبركة أو اتهام غامض أو «بوست تشهيري» يُلقى في الفضاء الإلكتروني الرحب ثم يُترك بلا حساب.
هنا لا نتحدث عن نقد أو رأي بل عن اغتيال معنوي متعمد يترك أثرا نفسيا واجتماعيا لا يمحوه حذف منشور أو اعتذار متأخر.
لماذا تنتشر هذه الصفحات بهذه الخطورة؟
هناك عدة أسباب لا يمكن تجاهلها
خوارزميات التواصل الاجتماعي التي تكافئ المحتوى المثير ولو كان كاذبا وضعف الوعي الإعلامي لدى قطاعات من الجمهور وغياب المحاسبة الرادعة ووجود جهات تستفيد من الفوضى الرقمية سياسيا أو اقتصاديا.
ومع كل مشاركة غير واعية تتحول الشائعة إلى «حقيقة متداولة».
تداعيات أخطر مما نتصور
خطر هذه الصفحات لا يتوقف عند حدود الشاشة إرباك المجتمع نفسيا وضرب الثقة في الإعلام والمؤسسات خلق مناخ عام من الشك والعداء فتح الباب أمام الفتن والانقسامات تشويه صورة الدولة دون سند حقيقي.
والمؤلم أن بعض الناس لا يكتشف زيف الخبر إلا بعد أن يكون قد أحدث أثره.
المسؤولية مشتركة لكن الدولة مطالبة بالحسم المسؤولية هنا لا تقع على طرف واحد فالمواطن مسؤول عن عدم الانسياق وراء كل ما يُنشر والمنصات مسؤولة عن ضبط المحتوى المضلل لكن الدولة بحكم مسؤوليتها عن حماية الأمن المجتمعي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتصدي الحاسم لهذه الظاهرة ليس من باب تكميم الأفواه ابدا ابدا ابدا بل من باب حماية المجتمع من تجار الهلع ومن محترفي الفتنة ومن صفحات تتعامل مع الموت والسياسة وسمعة الناس كمواد للربح والتفاعل.
ياسادة ما يحدث على بعض صفحات السوشيال ميديا لم يعد «حرية تعبير» بل فوضى تهدد الوعي وتعبث بالأمن النفسي وتفتح أبواب شر لا تُغلق بسهولة.
حماية الوطن لم تعد بالسلاح فقط بل بحماية الحقيقة وضبط الكلمة ومحاسبة من يحولون الأكاذيب إلى تجارة والخوف إلى محتوى.
هذه معركة وعي ومن يستخف بها سيدفع المجتمع كله الثمن.








