.
تحقيق يكتبه احمد عسله
ويرويه شوقي وفاء شوقي
أتحدث اليوم لا بلسان فرد بل بلسان آلاف العاملين المنقولين من هيئة كهربة الريف إلى الشركة القابضة لكهرباء مصر وشركاتها التابعة ممن وجدوا أنفسهم منذ عام 2012 أمام قرار أوقف صرف حقوق مقررة بقرارات وزارية وإدارية رغم استمرار وجود ودائع مالية ضخمة ومصادر تمويل مثبتة بالمستندات.
القضية باختصار تتعلق بوثيقة تأمين كهربة الريف وما يترتب عليها من ميزتين واضحتين لا لبس فيهما صرف خمسين شهرا على آخر مرتب شامل، وصرف اثني عشر شهرًا على آخر مرتب أساسي. هاتان الميزتان ظلتا تُصرفان بانتظام حتى مارس 2012، ثم توقف الصرف فجأة بعد وقف خصم نسبة الاشتراك البالغة 5%، دون علم الجمعية العمومية للعاملين.
قرار بلا جمعية وخطأ إداري جسيم
وقف خصم نسبة الـ5% الخاصة بالوثيقة تم دون الرجوع للجمعية العمومية لموظفي كهربة الريف، وهو ما ترتب عليه وقف الصرف على شامل مرتب مارس 2012. هذا الإجراء يمثل خطأً إداريًا جسيمًا، لأن الأصل أن يستمر الخصم والصرف معًا، أو يُعرض الأمر برمته على الجمعية العمومية صاحبة الولاية.
الأخطر أن هذا التوقف لم يكن بسبب عجز مالي، بل على العكس، فالأموال موجودة، والودائع قائمة، والقرارات الإدارية السابقة واضحة وصريحة.
ودائع قائمة تتجاوز 400 مليون جنيه
بحسب المستندات المالية المعتمدة، تبلغ ودائع وثيقة تأمين كهربة الريف أكثر من 400 مليون جنيه. هذه الودائع لم تختفِ، ولم تُنفق، وما زالت قائمة، بما يؤكد أن التوقف عن الصرف لم يكن مبرره نقص السيولة.
5 مليارات جنيه منسية منذ 2012
الأهم من الودائع، هو ما لم يُجَنَّب ولم يُعَلَّ، رغم وجوبه قانونًا وإداريًا. فمنذ عام 2012، كان يجب تجنيب نسبة 25% من حساب مشروعات كبار المشتركين المنتهى العمل بها، والتي أُجريت لها التسويات المالية، وتعليتها لحساب دعم وثيقة تأمين كهربة الريف.
إجمالي هذه النسبة يبلغ أكثر من 5 مليارات جنيه، ناتجة عن إجمالي أعمال ومهمات ومشروعات تجاوزت قيمتها 20 مليار جنيه. هذه الأموال، ووفقًا للمستندات، أُضيفت بالخطأ إلى حساب الأرباح المرحلة بدفاتر الشركة القابضة لكهرباء مصر، بدلًا من تعليتها لحساب دعم الوثيقة.
أرباح وأصول انتقلت بلا تحميل مالي
الشركة القابضة لكهرباء مصر وشركاتها التابعة حصلت على أصول ومهمات كهربة الريف دون تحميل أعباء مالية، من بينها:
مهمات المنطقة الجارية بمخازن كهربة الريف على مستوى الجمهورية، بقيمة تتجاوز 13 مليار جنيه.
معدات نقل ثقيل تُقدّر قيمتها الحالية بأكثر من 2 مليار جنيه.
مصيف جمصة، الذي أُنشئ من أرباح كهربة الريف ومن نسب التجنيب الخاصة بالوثيقة.
جميع هذه الأصول جاءت من أرباح كهربة الريف التي لم تُوزع، نتيجة تنفيذ أعمال توصيلات كبار المشتركين، والتي أُجريت لها تسويات مالية وأُدرجت كأرصدة دائنة تحت التسوية.
نصوص إدارية لا تحتمل التأويل
القرارات الإدارية الصادرة عن هيئة كهربة الريف، والمعتمدة من مجلس إدارتها، تنص صراحة على خصم نسبة 25% من جميع التسويات المالية وتعليتها لدعم وثيقة تأمين كهربة الريف وميزة الـ12 شهرًا. هذا الإجراء كان معمولًا به منذ إنشاء الوثيقة في 1 نوفمبر 2002 وحتى 31 ديسمبر 2011، ومثبت بكشوف وأرقام شيكات ومستندات رسمية.
ما تغير بعد 2012 ليس النص، بل التطبيق.
ازدواج المعايير داخل القطاع
في الوقت الذي توقّف فيه صرف حقوق موظفي كهربة الريف، حصلت صناديق أخرى داخل قطاع الكهرباء على زيادات كبيرة، من بينها صندوق الرعاية بالشركة القابضة، الذي صرف مزايا وصلت إلى نحو 750 ألف جنيه، كما تمت الموافقة على زيادة الحافز التقديري لمكافأة نهاية الخدمة ليصل إلى 400 ألف جنيه بدلًا من 300 ألف.
السؤال المشروع هنا: لماذا يُعامل موظفو كهربة الريف بمعيار مختلف، رغم توافر الودائع والأرصدة والنصوص القانونية؟
مذكرة رسمية واتصال أعاد الأمل
في 24 ديسمبر 2024، تقدمتُ أنا وزملائي بمذكرة رسمية إلى السيد الدكتور المهندس محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة ورئيس الجمعية العمومية لقطاع الكهرباء، نطالب فيها بصرف حقوقنا كاملة عند الإحالة للمعاش. وقد تلقيت اتصالًا من سيادته أعاد الأمل إلى قلوبنا، إلا أن التنفيذ لم يتم حتى الآن.
مطلب واضح وحل قابل للتنفيذ
الحل لا يحتاج إلى لجان جديدة ولا دراسات مطولة، بل إلى قرار عادل، يتمثل في:
إلزام الشركة القابضة بتعليـة مبلغ الـ5 مليارات جنيه لحساب دعم وثيقة تأمين كهربة الريف.
صرف ميزة الخمسين شهرًا على آخر مرتب شامل.
صرف ميزة الاثني عشر شهرًا على آخر مرتب أساسي.
تسليم مفردات المرتبات من 1 أبريل 2012 حتى الآن لإدارة الوثيقة، لإجراء المقاصة العادلة.
كلمة أخيرة في ليلة تُرفع فيها الأعمال
نكتب هذا التحقيق في مناسبة دينية جليلة، ليلة النصف من شعبان، التي تُرفع فيها الأعمال إلى الله. نكتب ونحن على يقين أن العدل لا يسقط بالتقادم، وأن المستندات إذا تكلمت وجب على القرار أن يلحق بها.
لسنا أقل من غيرنا، ولا نطلب سوى تطبيق ما أُقِرّ بالفعل. ننتظر قرارًا يعيد الحقوق إلى أصحابها، ويغلق ملفًا طال أمده، حفاظًا على الثقة، وصونًا لهيبة القرار الإداري في قطاع يُفترض أنه يقوم على الانضباط والعدالة.









