كتب احمد عسله
لم تعد قضية العاملين السابقين بـهيئة كهربة الريف مجرد شكوى وظيفية عادية بل تحولت إلى واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية داخل قطاع الكهرباء ليس فقط بسبب حجمها ولكن بسبب ما تحمله من تناقضات واضحة في التطبيق وشعور متزايد لدى أصحابها بأن العدالة لم تكتمل بعد.
القضية اليوم لم تعد حبيسة المكاتبات أو الشكاوى الفردية بل انتقلت إلى ساحة العمل البرلماني حيث تقدم النائب حسام الخشت بطلب إحاطة رسمي موجه إلى الحكومة مطالبًا بتوضيح أسباب عدم صرف المستحقات المالية والتأمينية كاملة للعاملين الذين تم نقلهم بموجب القانون رقم 13 لسنة 2007.
مشهد يطرح سؤال العدالة
الوقائع كما يطرحها العاملون تكشف عن مفارقة يصعب تجاهلها
فئة من العاملين حصلت على كامل حقوقها قبل 2012 وفئة أخرى في نفس المركز القانوني تقريبا لم تحصل على ذات المعاملة بعد هذا التاريخ.
وهنا يبرز السؤال الجوهري
كيف يُقسم العدل إلى تاريخين؟ وكيف يصبح الحق كاملا بالأمس ومحل نزاع اليوم؟
العاملون يؤكدون أن وثيقة التأمين التي كانت تمنح 50 شهرا على آخر مرتب شامل إلى جانب ميزة 12 شهرا على آخر مرتب أساسي تم تطبيقها بالفعل في حالات سابقة وهو ما يعد من وجهة نظرهم سابقة صرف لا يمكن تجاهلها.
تناقض في التعامل مع الأحكام القضائية
واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في هذا الملف، هي مسألة الأحكام القضائية.
العاملون يشيرون إلى أن الأحكام التي خسرها بعض الزملاء في شأن وثيقة التأمين يتم الاستناد إليها لرفض التعميم.
بينما الأحكام التي كسبها آخرون بشأن ميزة الـ12 شهرًا، وتم تنفيذها بالفعل لا يتم تعميمها على الجميع.
وهنا تظهر المفارقة الواضحة إذا كانت الأحكام “شخصية” في الحالة الأولى فلماذا لا تكون كذلك في الحالة الثانية؟
وإذا كانت تُنفذ في جانب فلماذا لا تُنفذ في الجانب الآخر؟
هذا التباين في التطبيق بحسب أصحاب القضية خلق شعورًا حادا بعدم المساواة وأثار تساؤلات مشروعة حول المعايير التي يتم الاستناد إليها.
أموال واشتراكات وأسئلة مشروعة
العاملون يتحدثون أيضًا عن استمرارهم في سداد اشتراكات بنسبة 5% من الأجر، ويطرحون تساؤلات واضحة
أين ذهبت هذه الاشتراكات؟ وكيف تم احتسابها؟ وهل انعكست فعليًا على مستحقاتهم النهائية؟
كما يشيرون إلى وجود ودائع مالية كبيرة، ومبالغ تمثل نسب دعم يرون أنها يجب أن تُعاد مراجعتها بدقة، في إطار شفاف وتحت رقابة رسمية.
البرلمان يدخل على الخط
طلب الإحاطة البرلماني أعاد القضية إلى الواجهة بقوة حيث أشار إلى تجميد احتساب وثيقة التأمين عند أجر مارس 2012.
استمرار خصم الاشتراكات رغم وقف بعض المزايا.
وجود تباين واضح بين العاملين قبل وبعد هذا التاريخ.
وهو ما اعتبره مقدم الطلب مساسا بمبدأ المساواة الذي يكفله الدستور.
العاملون لا يكتفون بالشكوى بل يقدمون حلولا
في خطوة تعكس رغبة حقيقية في الحل طرح العاملون آليات تنفيذ واضحة، من بينها:
إعادة تسوية مستحقات المحالين للمعاش منذ 2012 وفق آخر أجر شامل مع خصم ما سبق صرفه.
إعداد دراسة اكتوارية للعاملين بالخدمة لضمان الاستدامة المالية.
تسوية ميزة الـ12 شهرا عبر الشركات أو وفق آلية قانونية واضحة.
وهي مقترحات تشير إلى أن الأزمة ليست بلا مخرج بل تحتاج فقط إلى قرار منصف وعادل وعاقل وامين …
إلى الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء
هذا الملف يستحق تدخلكم المباشر ليس فقط لإنهائه، بل لإعادة الثقة لدى آلاف العاملين بأن الدولة لا تترك حقوق أبنائها.
إلى الدكتور محمود عصمت وزير الكهرباء
أنتم أمام اختبار حقيقي لقدرة الوزارة على تحقيق العدالة داخل القطاع.
الملف بين أيديكم والمستندات كما يؤكد أصحابها موجودة والفرصة قائمة لإغلاقه بشكل منصف.
ما المطلوب الآن؟
1- لجنة مستقلة ومحايدة تفحص كل المستندات بعيدًا عن تضارب المصالح.
2- توحيد معايير التطبيق حتى لا يبقى التمييز قائمًا بين حالات متشابهة.
3- شفافية كاملة في إعلان النتائج لإنهاء الجدل والشائعات.
4- جدول زمني واضح للتنفيذ لأن الانتظار المفتوح أصبح عبئًا لا يُحتمل.
5- الاستماع المباشر للعاملين فلا عدالة دون سماع جميع الأطراف.
القضية اليوم ليست فقط أرقاما أو مزايا بل هي كرامة موظف أفنى عمره في خدمة قطاع حيوي وهي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحقيق العدالة بين أبنائها.
لقد طال الانتظار.
وطال الصمت.
وطالت المعاناة.
لكن الأمل ما زال قائما.
أنصفوا من حملوا النور إلى القرى حتى لا يشعروا أن حقوقهم تُترك في الظل…







