كتب أحمد عسله
ليست كل الذكريات أرقاما تسجلها صفحات الزمن وليست كل الذكريات الانسانية ( anniversaries) محطاتٍ عابرة نستعيد فيها أسماء الراحلين ثم نمضي فثمة رجال إذا غادروا الدنيا تركوا فيها ما هو أبقى من العمر وأعمق من الحضور وأصدق من كل كلمات الرثاء رجال لا يحتاجون إلى من يصنع لهم تاريخا بعد الرحيل لأنهم عاشوا حياتهم يكتبونه بأيديهم موقفا بعد موقف ويدا تمتد بالخير وقلبا يتسع للناس وسيرة تتناقلها الألسنة بالمحبة والدعاء.
وفي الذكرى السنوية الثامنة لرحيل الأستاذ الدكتور عبد الجواد معزوز ابن قرية المعالي بمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية تعود إلى الذاكرة سيرة طبيب لم تكن عظمته في علمه وحده ولا في مكانته المهنية فحسب وإنما في ذلك المزيج النادر الذي جمع بين براعة الطبيب ونبل الإنسان وتواضع العالم ورحابة القلب والحرص على أن تظل أبواب الخير مفتوحة أمام كل من يحتاج إلى يد حانية أو كلمة طيبة أو موقف لا ينساه العمر.
ثمانية أعوام مضت لكن بعض الغياب لا تقيسه السنوات وبعض الرجال لا يصبحون مجرد ذكرى لأنهم تركوا في حياة الآخرين ما يجعلهم حاضرين كل يوم. وهكذا بقي الدكتور عبد الجواد معزوز في وجدان من عرفوه وفي ذاكرة أبناء قريته ومحبيه وفي حكايات المرضى والأهالي الذين ارتبط اسمه لديهم بالرحمة وحسن المعاملة والعطاء حتى استحق أن يطلق عليه أبناء محيطه لقب «طبيب الإنسانية» و«طبيب الغلابة» وهما لقبان لا تمنحهما الشهادات ولا تصنعهما المناصب وإنما تمنحهما القلوب حين تختبر المواقف وتعرف الرجال على حقيقتهم.
كان طبيبا يعرف أن وراء كل حالة طبية إنسانا ووراء كل إنسان أسرة تنتظر ووراء كل ألم قلبا يرجو الرحمة
ومن هنا جاءت مكانته التي لم تتوقف عند حدود العيادة أو المستشفى حيث كان من أبرع الجراحين بل امتدت إلى المجتمع الذي عاش بين أبنائه وعرف احتياجاتهم وشاركهم أفراحهم وأوجاعهم وظل قريبا منهم بخلق كريم وتواضع صادق.
وُلد الدكتور عبد الجواد معزوز وتربى في قرية المعالي بمركز منيا القمح حيث تظل الأصالة المصرية الحقيقية مرتبطة بقيم الشهامة وصلة الرحم وإكرام المحتاج واحترام الكبير والوقوف إلى جوار صاحب الحاجة. ومن هذه البيئة الطيبة انطلقت حكايته ثم حمل معه ما تشربه من قيم إلى محراب الطب ليقدم نموذجا للطبيب الذي يدرك أن رسالته لا تنتهي عند التشخيص والعلاج وأن إنقاذ الإنسان لا يكون بالعلم وحده بل يحتاج كذلك إلى ضميرٍ يقظ وقلبٍ رحيم وإحساس حقيقي بآلام الناس.
لقد عرفته الأوساط الطبية بمحافظة الشرقية أستاذا للجراحة العامة وعمل بمستشفى منيا القمح العام،د وتولى إدارة مستشفى السعديين المركزي تاركا بصمته في مسيرته المهنية ومشاركا في أداء رسالة الخدمة الصحية التي تمثل أحد أهم وجوه الخدمة العامة.
ولم تكن قيمة الطبيب الراحل فى موقع شغله أو مسؤوليةٍ تحملها فحسب بل في المعنى الذي أضفاه على هذه المسؤولية وفي إيمانه بأن المريض ليس رقما في سجل وأن صاحب الحاجة ليس عبئا على أحد وأن الطبيب الناجح هو من يجمع بين كفاءة العلم وأمانة الضمير.
فكم من إنسانٍ يبرع في تخصصه وكم من صاحب منصبٍ ينجح في أداء مهامه لكن القليلين هم الذين يستطيعون أن يجمعوا بين النجاح المهني والقبول الإنساني.
أما الدكتور عبد الجواد معزوز فقد بقيت سيرته مرتبطة في أذهان محبيه بخلقٍ كريم ومعاملة طيبة وتواضعٍ لا يعرف التكلف وعطاء لا ينتظر تصفيقا أو إشادة.
ولذلك لم يكن لقب «طبيب الغلابة» مجرد عبارة عاطفية تُقال في مناسبة بل كان تعبيرا عن صورة استقرت في وجدان من عرفوه صورة الطبيب الذي يجد الناس عنده ما هو أبعد من العلاج ويلمسون في معاملته احتراما لإنسانيتهم ويشعرون أن كرامة المريض لا تقل أهميةً عن صحته وأن مهنة الطب حين تتجرد من الرحمة تفقد جانبا أصيلا من رسالتها.
وهنا تكمن الحكاية الأجمل فهناك من يترك خلفه عقارا أو مالا أو منصبا وهناك من يترك ميراثا لا تستطيع الأيام أن تنتقص منه لأنه يسكن القلوب قبل الأوراق ويعيش في الضمائر قبل السجلات. ذلك هو ميراث السيرة الطيبة وهو الميراث الذي لا تستهلكه السنوات بل تزيده المواقف رسوخا وتمنحه الأيام قدرة أكبر على البقاء.
ولعل أعظم ما يكشف قيمة الإنسان بعد رحيله أن يظل اسمه حاضرا بالخير من دون أن يطلب أحد من الناس تذكره وأن تتحول ذكراه إلى دعاء صادق يخرج من القلب قبل اللسان.
فما أكرمها من منزلة أن يغادر المرء الدنيا ثم يجد في ذاكرة الناس مكانا لا يزاحمه فيه عابر وفي دعواتهم حياة لا تنقطع بانقضاء العمر.
وفي الذكرى الثامنة لا نستعيد سيرة الدكتور عبد الجواد معزوز باعتبارها صفحة من الماضي الخالدة فحسب وإنما باعتبارها رسالة حية للأجيال الجديدة ورسالة إلى كل من يعمل في مهنة أو يتولى مسؤولية أو يمتلك قدرة على مساعدة الآخرين.
فالإنسان لا يُقاس فقط بما حققه لنفسه بل بما أضافه إلى حياة غيره ولا بما جمعه من أسباب المكانة بل بما تركه من أسباب المحبة والاحترام.
وإذا كان الطبيب الراحل قد أدى رسالته في ميدان الطب فإن الحديث عن ذكراه يقودنا بالضرورة إلى جانبٍ آخر من حكايته جانب الأب الذي ترك خلفه أبناءً يحملون اسمه ويعتزون بسيرته ويجدون في ذكراه معنى يتجاوز الحنين إلى الوالد الراحل ليصل إلى مسؤولية الحفاظ على القيم التي عاش من أجلها.
وفي مقدمة أبنائه النائب المستشار العميد أحمد عبد الجواد نائب أول رئيس حزب مستقبل وطن والأمين العام للحزب ورئيس الهيئة البرلمانية للحزب بمجلس النواب الذي يمثل امتدادا أسريا ومجتمعيا لسيرة الأب في ذاكرة محبيه بما يحمله اسم العائلة من ارتباط بهذه الحكاية الإنسانية التي تستحق أن تُروى في كل عام.
وهنا لا ينبغي أن نتعامل مع الأبوة بوصفها مجرد صلة نسب ولا مع النجاح الذي يحققه الأبناء باعتباره بديلا عن سيرة الآباء فلكل إنسان رحلته ولكل جيل مسؤولياته لكن تبقى القيم التي يغرسها الآباء في أبنائهم واحدة من أثمن الهدايا التي يمكن أن تستمر آثارها بعد الرحيل.
فالأب العظيم لا يورث أبناءه اسمه وحده وإنما يورثهم المعنى الذي ينبغي أن يحمله هذا الاسم يورثهم أن التواضع لا ينتقص من المكانة وأن خدمة الناس ليست منّة عليهم وأن المسؤولية تكليفٌ قبل أن تكون تشريفا وأن النجاح الحقيقي هو الذي يترك أثرا طيبا في حياة الآخرين.
ومن هذا المنطلق تكتسب ذكرى الدكتور عبد الجواد معزوز معناها الخاص إذ تلتقي فيها مشاعر الوفاء للأب الراحل مع الاعتزاز بما يمثله الأبناء من امتداد لاسم الأسرة في الحياة العامة وفي مقدمتهم النائب المستشار العميد أحمد عبد الجواد الذي يتولى مسؤوليات حزبية وبرلمانية رفيعة وتمنحه هذه المكانة مسؤولية إضافية في أن تظل قيم النزاهة والتواضع وخدمة المواطنين حاضرة في العمل العام.
فالمناصب مهما علت تبقى مواقعَ للعمل ومسؤولياتٍ للأداء أما السيرة الطيبة فهي التي تمنح صاحبها احترام الناس وتجعله جديرا بما يتحمله من أمانة.
وما أجمل أن يلتقي الاعتزاز بتاريخ الأب مع الطموح إلى مواصلة طريق الخير وأن تصبح ذكرى الراحل مناسبة لتجديد العهد على أن تظل خدمة الإنسان جوهر كل مسؤولية.
وإلى جوار النائب أحمد عبد الجواد يواصل شقيقه العميد طبيب محمد عبد الجواد أداء رسالته في القوات المسلحة كما تحمل شقيقته أستاذة القانون نصيبها من مسيرة العلم والتخصص. وهي صور متعددة لأبناء أسرة يبقى اسم والدهم حاضرا في وجدانهم وتظل ذكراه مناسبة لاستعادة ما تركه من قيم ومعانٍ تستحق أن تُصان وتُحفظ.
وما بين الطبيب الذي خفف آلام المرضى والأب الذي غرس في أبنائه قيم الحياة والرجل الذي ترك في قريته ومحيطه ذكرى طيبة تتكامل صورة الدكتور عبد الجواد معزوز لا باعتباره اسما نستعيده في ذكرى سنوية ثم نطوي الصفحة وإنما باعتباره نموذجا إنسانيا يذكّرنا بأن أعظم إنجازات الإنسان قد تكون تلك التي لا تظهر في صورة أو وثيقة وإنما تسكن ذاكرة شخص ساعده أو قلب جبر خاطره أو أسرة وجدت في وقت الشدة من يمد لها يد العون.
ولعل في الحديث عن الأثر الطيب ما يذكرنا بقول الله تعالى: «وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ» دعاء يحمل معنى عظيما هو أن يرزق الله الإنسان ذكرا حسنا يبقى بعد انقضاء العمر. وما أكرمها من أمنية أن يرحل المرء وقد ترك في الناس ما يدعوهم إلى ذكره بالخير وأن تتحول سيرته إلى باب من أبواب الدعاء له بالرحمة والمغفرة.
وليس معنى الوفاء أن نبالغ في وصف الراحلين بل أن ننصفهم وأن نذكر ما عُرفوا به من خصال ومواقف وأن نستخلص من حياتهم ما ينفع الأحياء. والدكتور عبد الجواد معزوز يستحق أن تُستعاد سيرته من هذا الباب باب الطبيب الذي ارتبط اسمه بالإنسانية والأستاذ الذي أدى رسالته المهنية والأب الذي بقيت ذكراه حاضرة في أسرته والرجل الذي ما زال محبوه يذكرونه بالدعاء.
ثمانية أعوام ليست قليلة في حساب الزمن تتغير خلالها الوجوه وتتبدل الأحوال، وتنشغل الحياة بتفاصيلها المتلاحقة، لكن هناك أسماءً تحتفظ بمكانها في الوجدان لأن أصحابها تركوا ما يتجاوز اللحظة العابرة. وكلما عادت ذكراهم، عادت معها الحكايات، وتجدد الدعاء، وأدركنا أن الإنسان لا يغيب تمامًا ما دام هناك من يتذكره بالخير، ومن يستلهم من حياته درسًا، ومن يرفع يديه إلى السماء طالبًا له الرحمة.
وفي قرية المعالي، وفي مركز منيا القمح، وفي محافظة الشرقية، تبقى ذكرى الطبيب الراحل مناسبةً لاستعادة صورة الطبيب الذي لم ينفصل عن مجتمعه، ولم يجعل من العلم حاجزًا بينه وبين الناس، بل ظل العلم في سيرته طريقًا لخدمتهم، وظلت الإنسانية عنوانًا لما يتذكره محبوه عنه.
إن الوفاء الحقيقي للدكتور عبد الجواد معزوز لا يقتصر على قراءة الفاتحة في ذكراه على جلال هذه اللحظة وصدقها بل يمتد إلى استلهام المعاني التي عاش بها؛ أن يكون الطبيب رحيما والمسؤول قريبًا من المواطنين، وصاحب المكانة متواضعا وأن يدرك كل إنسان أن ما يتركه من خيرٍ في حياة الآخرين قد يكون أبقى من أي إنجازٍ شخصي.
رحم الله الأستاذ الدكتور عبد الجواد معزوز، ابن قرية المعالي، وطبيب الجراحة العامة، و«طبيب الإنسانية» الذي بقيت سيرته الطيبة حاضرة بعد ثمانية أعوام على رحيله. نسأل الله أن يغفر له ويرحمه وأن يعفو عنه ويكرم نزله، ويوسع مدخله، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يجزيه عن كل خيرٍ قدمه،وعن كل ألمٍ خففه، وعن كل قلبٍ أدخل عليه السرور، خير الجزاء.
اللهم اغفر له وارحمه رحمة واسعة تسع السماوات والأرض واجعل ما قدمه من خير في ميزان حسناته، وأنر قبره بنورك وآنس وحشته، واجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
اللهم احفظ أبناءه وأهله ومحبيه وبارك لهم في أعمارهم وأعمالهم واجعلهم أهلًا للخير، ووفقهم إلى ما فيه نفع الناس وصلاح البلاد واجعل ذكراه الطيبة دافعًا لمزيدٍ من العمل الصالح، لا مجرد حنينٍ إلى أيام مضت.
رحم الله د. عبد الجواد معزوز رحل الطبيب وبقيت رسالته وغاب الأب وبقيت ذكراه وانقضت الأعوام وبقيت سيرته شاهدا على أن أعمار الناس تُقاس بما يزرعونه في القلوب، لا بعدد السنوات التي يعيشونها.
فبعض الرجال يرحلون من الدنيا، لكنهم لا يرحلون من حياة الناس لأنهم تركوا في كل قلبٍ عرفهم أثرًا، وفي كل موقفٍ عاشوه معنى، وفي كل دعاءٍ يُرفع لهم شاهدا على أن الخير الذي يُزرع بإخلاص لا تمحوه السنون.
رحم الله طبيب الإنسانية الدكتور عبد الجواد معزوز، وجعل سيرته الطيبة نورا في ذاكرة محبيه، وجزاه عن أهله وأبنائه ومرضاه وكل من امتدت إليه يداه بالخير خير الجزاء.








