*** فيه مسؤول بيزور المكان لأن جدول الزيارات قال له يروح وفيه مسؤول بيختار المكان لأن رسالة لازم توصل
والفرق بين الاتنين كبير وكبير جدا الأول يؤدي زيارة والثاني يصنع حكاية
والحكاية هذه المرة ليست في قلب القاهرة ولا في مدرسة على مرمى حجر من ديوان محافظة ولا في مكان يسهل الوصول إليه وتتصدر صوره منصات التواصل الحكاية هناك، في أقصى جنوب شرق مصر في رأس حدربة حيث للجبال هيبتها وللمسافات حساباتها وللأرض حكايات لا يعرف قيمتها إلا من يدرك أن الوطن ليس ما نراه من نوافذ بيوتنا فقط بل كل شبر يمتد عليه علم مصر.
هناك قرر وزير التربية والتعليم والتعليم الفني د. محمد عبد اللطيف أن يصل بنفسه إلى المدرسة وأن يلتقي أبناءنا ومعلميهم وأهاليهم في مشهد يخرج بالزيارة المدرسية من إطارها التقليدي إلى مساحة أوسع من المعنى.
يا سادة ليست كل المسافات تُقاس بالكيلومترات وليست كل الزيارات تُقاس بعدد الصور وليست قيمة المسؤول في عدد المكاتب التي يجلس إليها بل في قدرته على الوصول إلى المواطن حيث يعيش والاستماع إليه حيث يقيم والشعور باحتياجاته مهما ابتعدت المسافة بينه وبين العاصمة
رأس حدربة ليست نقطة بعيدة على خريطة مصر إنها جزء عزيز من حكاية مصر
مصر التي لا تختصرها القاهرة ولا تنتهي عند حدود المدن الكبرى ولا تقيس قيمة أبنائها بقربهم من المركز أو بُعدهم عنه.
مصر هي ابن العاصمة وابن القرية وطالب المدرسة الحديثة وطالب المدرسة التي تقف شامخة وسط الجبال والمعلم الذي يعمل في قلب المدينة والمعلم الذي يحمل رسالته إلى أقصى نقطة يصل إليها الطريق.
كلهم في ميزان الوطن سواء وكلهم يستحقون أن تصل إليهم الدولة وأن يشعروا بأنهم ليسوا خارج حساباتها ولا على هامش اهتمامها.
وهنا تحديدا تتجلى قيمة الزيارة أن يرى الطالب وزير التعليم أمامه لا صورة معلقة على جدار ولا اسما يسمعه في نشرة أخبار بل مسؤولا جاء إليه وتفقد مدرسته واستمع إلى احتياجاتها ومنحه شعورا بأن المكان الذي يتعلم فيه يستحق الاهتمام وأن حلمه في مستقبل أفضل ليس أقل قيمة من حلم أي طالب آخر في مصر وأن يرى المعلم أن رسالته مهما ابتعد مكانها ليست منسية وأن ما يبذله من جهد في خدمة أبنائنا يستحق التقدير والمساندة.
وأن يرى ولي الأمر أن تعليم أبنائه قضية تستحق أن تُقطع من أجلها المسافات وأن تنزل القيادات إلى الميدان وتسمع الناس مباشرة وتتعرف إلى احتياجاتهم من دون حواجز.
هنا تتحول الزيارة من متابعة مدرسة إلى ترسيخ معنى المواطنة ومن جولة ميدانية إلى رسالة انتماء ومن مشهد عابر إلى صورة تقول إن مصر أكبر من المسافات وإن أبناءها جميعا في القلب.
ولعل أجمل ما في المشهد أن المدرسة هي بوابة الوصول إلى كل هذه المعاني فالتعليم ليس كتابا وسبورة وامتحانا فحسب وإنما بناء إنسان وغرس قيم وصناعة وعي وإعداد جيل يعرف وطنه ويعتز بتاريخه ويدرك أن الانتماء ليس هتافا يعلو في المناسبات بل مسؤولية تُترجم إلى عمل وإخلاص وإتقان.
أما الوزير د.محمد عبد اللطيف فإن تحركاته الميدانية المتتابعة تضع أمامنا سؤالا مهما كيف يمكن أن تتحول الزيارة الوزارية من بروتوكول معتاد إلى فرصة حقيقية لرصد الاحتياجات ومتابعة الأداء والاستماع إلى العاملين في الميدان؟
والإجابة لا تصنعها الصور وحدها وإنما تصنعها النتائج التي تترجم ما يُسمع إلى ما يُنفذ وما يُرصد إلى ما يُعالج وما يُوعد به إلى واقع يلمسه الطالب والمعلم والأسرة.
فالزيارة تكتسب قيمتها الكاملة عندما تترك وراءها أثرا لا مجرد انطباع
تحية لكل معلم يؤدي رسالته في أقصى ربوع مصر ولكل طالب يتمسك بحلمه مهما ابتعدت المسافة ولكل أسرة تصنع من الأمل طريقا لأبنائها.
وتحية لكل مسؤول يدرك أن المنصب ليس امتيازا للجلوس خلف الأبواب وإنما تكليف يفرض عليه أن يقترب من الناس وأن يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ويعمل بما يحقق المصلحة العامة.
إن مصر التي نحبها ليست مجرد عاصمة ودواوين ومؤسسات إنها وطن ممتد من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه لكل بقعة فيه مكانتها ولكل إنسان فيه حقه في الاهتمام والرعاية ولكل مدرسة فيه دورها في صناعة الغد.
وفي رأس حدربة حيث تفرض الجغرافيا مشقتها جاءت الزيارة لتؤكد أن الوصول إلى الإنسان هو جوهر المسؤولية وأن المسافة مهما طالت لا ينبغي أن تكون حاجزا بين صاحب الخدمة ومن يستحقها.
د.محمد عبد اللطيف قد تختلف الآراء حول أساليب إدارة التعليم وتظل المحصلة التي تهم الناس هي ما يتحقق داخل الفصول لكن زيارة بهذا الامتداد الجغرافي تفتح بابا مهما للحديث عن الوصول إلى أبعد مدرسة والإنصات إلى أبعد صوت ووضع احتياجات أبنائنا في كل مكان على خريطة الاهتمام.
فليس المهم أن يصل الوزير إلى آخر الطريق فحسب بل أن يبدأ من هناك طريقا جديدا نحو الأفضل
مصر لا تُقاس بالمسافة إلى العاصمة مصر تُقاس بقدرتها على أن تصل إلى أبنائها جميعا.
ومن القاهرة إلى رأس حدربة تبقى الرسالة الأجمل. كل شبر في مصر له حق في الاهتمام وكل طفل مصري له حق في تعليم يليق بحلمه وكل معلم يحمل أمانة الأجيال يستحق أن تمتد إليه يد الدعم والتقدير.
هكذا تكون الزيارات التي تتجاوز المكان إلى المعنى وهكذا يصبح الطريق إلى المدرسة طريقا إلى الوطن
مصر في القلب من أول الطريق إلى آخره ومن قلب العاصمة إلى أقصى حدود الحكاية.









