*** لم تعد المسألة مجرد اتهامات عابرة ولا مجرد شعارات تُقال في لحظات غضب بل واقع ممتد تؤكده الوقائع على الأرض حيث مارست الولايات المتحدة الأمريكية ومعها إسرائيل أدوارا أثّرت بشكل مباشر أو غير مباشر في مصائر دول وشعوب وأعادت تشكيل خرائط كاملة ليس دائما بما يخدم استقرار هذه الشعوب بل كثيرا ما كان الثمن فوضى ممتدة ودماء لا تتوقف.
في غزو العراق 2003 لم تكن الحكاية مجرد حرب بل زلزالا سياسيا وإنسانيا بُني على ادعاءات أسلحة دمار شامل لم تثبت وفتح الباب لسنوات من العنف والانقسام حيث دفع الشعب العراقي الثمن الأكبر من أمنه واستقراره ووحدته بينما ظل السؤال معلقا من يُحاسب من أشعل الحريق؟
وفي أفغانستان امتد الوجود العسكري لعقود تحت لافتة مكافحة الإرهاب لينتهي المشهد بانسحاب مرتبك تاركا دولة منهكة وشعبا يواجه مصيره وسط أزمات إنسانية واقتصادية خانقة وكأن الزمن دار دورة كاملة دون أن يتحقق الاستقرار الموعود.
أما في فلسطين فالصورة أكثر وضوحا وألما حيث تتواصل العمليات العسكرية والحصار ويظل الدعم الأمريكي لإسرائيل عنصرا حاسما في موازين القوة ما يجعل أي حديث عن حل عادل يبدو بعيد المنال في ظل اختلال واضح في ميزان العدالة قبل ميزان السلاح.
وفي اليمن تحولت الحرب إلى مأساة إنسانية معقدة تتداخل فيها أطراف إقليمية ودولية وتظهر فيها آثار الدعم العسكري والسياسي بشكل يزيد من تعقيد المشهد حيث يدفع المدنيون ثمن صراع لا يملكون فيه قرارا.
أما ما جرى في البوسنة والهرسك خلال حرب البوسنة فيُستدعى كثيرا كنموذج لتدخل دولي جاء متأخرا بعد وقوع مجازر مروعة ما يطرح تساؤلات حول توقيتات التدخل ومعاييره ولماذا يُترك النزيف في بعض الأماكن حتى يصل إلى حد الكارثة قبل أن يتحرك العالم.
وفي سياق آخر كان للربيع العربي تأثيرات عميقة حيث تداخلت فيه العوامل الداخلية مع التأثيرات الخارجية ووجدت بعض القوى الكبرى فيه فرصة لإعادة ترتيب أوراق المنطقة وهو ما أدى في بعض الحالات إلى انهيار مؤسسات دول ودخولها في دوامات من الفوضى والصراع.
ولا يمكن إغفال التوترات المستمرة مع إيران حيث تُستخدم العقوبات والضغوط كأدوات لإعادة تشكيل السلوك السياسي لكنها في كثير من الأحيان تنعكس على الشعوب بشكل مباشر فتزيد من معاناتها اليومية دون أن تحقق بالضرورة الأهداف المعلنة واخيرا حربها الجائرة على ايران
كل هذه النماذج وغيرها كثير تفتح الباب أمام سؤال جوهري هل ما يحدث هو دفاع عن مصالح مشروعة أم تجاوز مستمر لحدود هذه المصالح على حساب الآخرين؟ الحقيقة أن المصالح جزء طبيعي من العلاقات الدولية لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المصالح إلى مبرر مفتوح لاستخدام القوة دون ضابط وحين يصبح الإنسان العادي مجرد رقم في معادلة أكبر.
الغضب العالمى الجارم مفهوم لأن وراء ماتقترفه ايادى امريكا واسرائيل صورا حقيقية من الألم أطفال تحت الأنقاض أسر تبحث عن مأوى شعوب تُدفع للهجرة وأوطان تفقد ملامحها لكن تحويل هذا الغضب العالمى هذا لايحتاج فقط خطاب مؤثر كما افعل انا الان بل يحتاج إلى ما هو أكثر من الصراخ يحتاج إلى كشف التناقضات وطرح الأسئلة التي تُحرج من يبرر وتُوقظ من يظن أن الأمر لا يعنيه.
الحقيقة القاسية أن هذا الواقع لن يتغير ببيان شجب ولن يتوقف بمجرد إدانة لكنه أيضا ليس قدرا أبديا فالتاريخ مليء بتحولات لم تكن متوقعة بدأت بوعي وتراكمت بمواقف حتى فرضت واقعا جديدا والرهان دائما على أن الشعوب حين تفهم وتُدرك وتُصر يمكنها أن تُحدث فارقا حتى في وجه قوى تبدو في لحظة ما بلا حدود.
للاسف لا أحد يملك رفاهية تجاهل ما يحدث لأن النار التي تشتعل في مكان يمكن أن تمتد إلى غيره ولأن الظلم حين يُسمح له بالتمدد لا يتوقف عند حدود بل يبحث دائما عن مساحة جديدة وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط عن جرائم الماضي أو الحاضر بل عن قدرة العالم على أن يقول “كفى”قبل أن يصبح الجميع جزءا من نفس المأساة.








