*** هناك لحظات فى حياة الشعوب لا يكون فيها القرار السليم هو القرار الأكثر شعبية وإنما القرار الأكثر شجاعة.
فالجماهير بطبيعتها تعشق ما اعتادت عليه وتخشى كل جديد بينما تتحرك الدول بعقل يقرأ المستقبل لا بعاطفة تعيش فى الماضى.
ومن هنا فإن كثيرا من القرارات العظيمة بدأت مرفوضة ثم تحولت مع مرور الوقت إلى محطات مضيئة فى تاريخ الأمم.
ولذلك فإننى لا أنظر إلى الشراكة بين نادى الشرقية ونادى إنبى باعتبارها مجرد اتفاق رياضى وإنما باعتبارها فلسفة جديدة فى إدارة الأندية الجماهيرية تقوم على إنقاذ الكيان لا تركه يواجه مصيره.
ولنسأل أنفسنا بكل هدوء ماذا كان ينتظر نادى الشرقية لو ظل يسير فى الطريق نفسه؟ هل كانت موارده المالية ستتضاعف؟ هل كان سيعود وحده إلى الدورى الممتاز؟
هل كانت ديونه ستختفى؟هل كانت الملاعب ستتطور؟هل كانت الجماهير ستعود إلى المدرجات؟
الإجابة السوداوية يعرفها الجميع
ولهذا فإن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن ندافع عن شكلٍ قديم بينما نفقد المضمون كله.
إن التاريخ لا يحميه الجموووود بل تحميه القدرة على البقاء والهوية لا تضيع عندما تتغير وسائل النجاح بل تضيع عندما يتحول الكيان إلى مجرد ذكرى يتغنى بها المحبون.
لقد فهمت الدولة المصرية هذه الحقيقة مبكرا فأدركت أن الأندية الجماهيرية ليست مجرد فرق كرة قدم وإنما جزء من الوجدان الشعبى وجزء من ذاكرة المحافظات وجزء من الشخصية المصرية.
ومن هنا جاءت فكرة الشراكات بين الأندية الجماهيرية وأندية الشركات.
ليست صدقة وليست منحة وليست استحواذا وإنما شراكة تقوم على قاعدة بسيطة جدا…
من يملك المال يقدمه ومن يملك التاريخ يحافظ عليه ومن يملك الجماهير يمنح المشروع روحه وهنا تتجلى عبقرية الفكرة.
إنبى لا يستطيع أن يشترى تاريخ الشرقية
والشرقية لا تستطيع وحدها أن توفر إمكانات إنبى.
إذن لماذا لا يجتمع التاريخ مع الإمكانات؟
ولماذا لا تتصافح الجماهير مع الاستثمار؟
ولماذا لا يتحول الحلم المؤجل إلى مشروع قابل للحياة؟
إن الذين يهاجمون الفكرة اليوم أقدر غيرتهم على ناديهم لكننى أدعوهم إلى أن ينظروا إلى الصورة كاملة لا إلى جزء منها.
فالشرقية لن تفقد ملعبها ولن تفقد منشآتها ولن تفقد جماهيرها بل ستستعيد ما هو أهم ستستعيد قدرتها على المنافسة ستعود إلى شاشة التليفزيون وسيعود اسمها إلى صفحات الجرائد وسيصبح استادها محطة لأندية القمة وسيحلم أطفال الشرقية من جديد بأن يرتدوا قميص ناديهم أمام عشرات الآلاف من الجماهير وهل هناك مكسب أكبر من ذلك؟
أما إنبى فهو الآخر لم يأت ليأخذ فقط بل جاء ليمنح أيضا سيمنح الإدارة والخبرة والاستثمار والاستقرار وفى المقابل سيجد جماهير ربما تكون الأكبر التى حظى بها طوال تاريخه.
إنها معادلة لا خاسر فيها.
الشرقية تربح وإنبى يربح والدولة تربح والكرة المصرية تربح والجماهير هى الرابح الأكبر.
لقد انتهى زمن أن يعيش النادى على الاشتراكات والتبرعات فقط وأصبح النجاح اليوم يحتاج إلى اقتصاد وتسويق وإدارة واستثمار وتخطيط طويل المدى وهذا ليس عيبا بل هو ما تفعله أكبر الأندية فى العالم.
إن الذين يخافون على اسم الشرقية أقول لهم الأسماء لا يصنعها الحبر المكتوب على اللافتات بل تصنعها البطولات والانتصارات والجماهير واللاعبون والذكريات الجميلة.
وما قيمة اسم يبقى إذا غاب الفريق؟ وما قيمة شعار يظل معلقا إذا اختفت المنافسة؟
إن القيمة الحقيقية لأى نادٍ هى أن يظل حيا ينافس ويفرح جماهيره ويصنع الأبطال ويملأ المدرجات.
أما أن يبقى الاسم وحده بينما يذبل الكيان فهذه ليست محافظة على التاريخ وإنما شهادة وفاة مؤجلة.
ولهذا أقولها بكل يقين إن «الشرقية إنبى» ليست نهاية الحكاية بل بدايتها وليست تنازلا عن الماضى بل استثمارا فيه وليست تغييرا للهوية بل حماية لها.
وأحسب أن السنوات القادمة ستثبت أن هذا القرار كان واحدا من أكثر القرارات شجاعة وحكمة وأن محافظة الشرقية ستستعيد مكانتها على خريطة الكرة المصرية وسيعود جمهورها ليهتف من جديد بعدما ظلت المدرجات سنوات طويلة تنتظر هذا الموعد.
وإذا كان من كلمة أخيرة فهى كلمة تقدير لكل من فكر خارج الصندوق ولكل من آمن بأن إنقاذ الكيانات أهم من المجاملة وأن صناعة المستقبل تحتاج إلى قرارات قد تبدو صعبة فى البداية لكنها تصبح بعد نجاحها مصدر فخر للجميع فالكيانات العظيمة لا يحميها الخوف وإنما يحميها التطوير ولا يبقى فى ذاكرة التاريخ من رفض التغيير بل من أحسن صناعته.








