كتب احمد عسله.
هناك فرق هائل بين أن تتدين أمام الناس وأن تكون متدينا حين لا يراك الناس.
فرق بين كلمة تكتبها على شاشة هاتف وسلوك يختبرك في بيتك وفي عملك وفي خصومتك وفي معاملاتك وفي قدرتك على الاعتذار وفي قبولك للنصيحة.
من هذه المنطقة تحديدا يأتي طرح الدكتور محمد إبراهيم حامد وكيل وزارة الأوقاف بالشرقية حول ما يمكن تسميته بـ «التدين الإلكتروني»؛ ذلك النمط الذي امتلأت به منصات التواصل الاجتماعي بفيض هائل من المنشورات الدينية والأخلاقية حتى أصبح بعض الناس يقدّمون أنفسهم للآخرين باعتبارهم سفراء للفضيلة ينما قد يكون الواقع الشخصي بعيدا تماما عما تكتبه أصابعهم.
المشكلة إذن ليست في نشر آية أو حديث أو حكمة وليست في أن يذكّر الإنسان غيره بالخير بل المشكلة تبدأ عندما تتحول الكلمة الدينية إلى واجهة بينما يظل السلوك خلفها يناقضها.
أن تكتب عن صلة الرحم ثم تكون أول من يقطعها أن تتحدث عن الصدق بينما تكذب في أبسط معاملاتك أن تنشر عن الوفاء ثم تكون ممن لا يحفظون عهدا أن تكتب عن حسن الخلق بينما لا تحتمل كلمة نقد أن تنصح الناس بالصبر ثم تنفجر غضبا عند أول خلاف وأن تقدم نفسك للناس باعتبارك صاحب مواعظ ثم إذا حاول أحدهم أن ينصحك أنت أغلقت في وجهه الباب وربما كان نصيبه الحظر
وهنا تصبح المسألة جديرة بالتأمل
هل نحن ننشر الدين لأننا نريد أن نصلح أنفسنا والآخرين؟أم ننشر صورة عن أنفسنا نريد أن يصدقها الآخرون؟
هذه هي المنطقة الحساسة التي يلفت إليها الدكتور محمد إبراهيم حامد فوسائل التواصل الاجتماعي منحت الإنسان قدرة لم تكن متاحة من قبل على صناعة صورته أمام الآخرين.
يستطيع أن يختار أجمل كلماته وأرق عباراته وأشد مواعظه تأثيرا ثم يضعها أمام آلاف المتابعين.
لكن هناك شيء واحد لا يستطيع «الفيسبوك» أن يفعله نيابة عنه أن يصلح سلوكه.
يمكنك أن تكتب عن الرحمة لكن الرحمة الحقيقية تظهر عندما يختلف معك شخص ضعيف.
يمكنك أن تنشر عن العفو لكن العفو الحقيقي يظهر عندما تكون قادرا على الانتقام يمكنك أن تكتب عن الأمانة لكن الأمانة تظهر عندما تكون قادرا على الخيانة ولا يراك أحد يمكنك أن تتحدث عن التواضع لكن التواضع الحقيقي يظهر عندما تجلس مع من لا يملك لك مصلحة فهناك تبدأ العبادة في الانتقال من الشاشة إلى الحياة.
ولعل أخطر ما في «التدين الإلكتروني» ليس كثرة المنشورات الدينية في حد ذاتها فالكلمة الطيبة تظل كلمة طيبة والتذكير بالخير أمر محمود.
وإنما الخطر في أن يتحول المنشور إلى بديل عن السلوك أن يشعر الإنسان بأنه أدى دوره الأخلاقي بمجرد أن ضغط زر «نشر».
كتب عن الصدقة لكنه لم يعطِ محتاجا كتب عن بر الوالدين لكنه جرح قلب أبيه أو أمه.
كتب عن التسامح، وهو لا يزال يحمل في قلبه خصومات السنين.
كتب عن تحريم الظلم، ثم مارس الظلم على من اختلف معه.
كتب عن حسن الظن، ثم جعل حياته كلها سوء ظن بالآخرين.
هنا تصبح المسافة بين التدين المعلن والتدين المعاش أكبر من اللازم.
والدين في جوهره لا يريد من الإنسان أن يبدو صالحًا فقط..
بل يريد منه أن يكون صالحًا.
لا يريد منه أن يجمع الإعجابات على فضائل لا يمارسها..
بل أن يمارس الفضيلة حتى لو لم يحصل منها على إعجاب واحد.
ومن أجمل ما يمكن أن نقيس به صدق تدين الإنسان أن نسأل:
كيف يتصرف عندما يخسر؟
كيف يتصرف عندما يغضب؟
كيف يتصرف عندما يختلف؟
كيف يتصرف عندما يمتلك القدرة على الأذى؟
وكيف يتصرف عندما لا يكون هناك جمهور؟
فهناك، بعيدًا عن الكاميرا والمنشور والتعليق والإعجاب، يظهر الإنسان الحقيقي.
أما الحديث عن الرياء، فهو باب شديد الحساسية؛ ولا يصح أن نحكم على نيات الناس من منشوراتهم، لأن النية أمر يعلمه الله وحده.
لكن يمكننا أن نتأمل في ظاهرة اجتماعية واضحة:
حين يصبح التدين وسيلة للحصول على صورة اجتماعية، فقد يفقد جوهره التربوي.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا..
فالمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الأشخاص الذين يعرفون كيف يعظون الآخرين فقط.
المجتمع يحتاج إلى أشخاص إذا تكلموا صدقوا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا غضبوا لم يظلموا، وإذا قدروا عفوا، وإذا أخطأوا اعتذروا، وإذا نُصحوا سمعوا.
لأن أجمل منشور ديني قد يكتبه الإنسان هو سلوكه.
وأبلغ موعظة قد يقدمها هي معاملته.
وأصدق آية يراها الناس فيه ليست التي يضعها على صفحته، وإنما الأثر الذي يتركه في قلب من يتعامل معه.
ومن هنا تبدو رسالة الدكتور محمد إبراهيم حامد أكبر من مجرد نقد لظاهرة على مواقع التواصل..
إنها دعوة إلى إعادة التدين إلى مكانه الطبيعي:
من الشاشة إلى القلب..
ومن القلب إلى السلوك..
ومن السلوك إلى المجتمع.
فلا بأس أن ننشر الخير..
ولا بأس أن نذكر الناس بالله..
ولا بأس أن نضع آية أو حديثًا أو حكمة..
لكن قبل أن نسأل:
كم شخصًا أعجب بمنشوري؟
ربما علينا أن نسأل أنفسنا:
كم شخصًا تغيرت معاملتي له إلى الأفضل؟
وقبل أن نكتب عن صلة الرحم..
فلنصل رحمًا.
وقبل أن نكتب عن الصدق..
فلنصدق.
وقبل أن نكتب عن التسامح..
فلنسامح.
وقبل أن نطالب الناس بحسن الخلق..
فلنختبر أخلاقنا نحن في أقرب الناس إلينا.
فالدين الذي لا يظهر في البيت، وفي الشارع، وفي العمل، وفي الخصومة، وفي المال، وفي المعاملة.. يحتاج منا أن نراجعه في أنفسنا قبل أن نعلّمه للآخرين.
وفي النهاية..
ربما تكون أجمل رسالة في مواجهة «التدين الإلكتروني» هي:
لا تجعل صفحتك أكثر تدينًا منك.
فليكن ما تكتبه شاهدًا عليك لا قناعًا لك..
ولتكن منشوراتك امتدادًا لأخلاقك، لا تعويضًا عن غيابها..
ولتكن علاقتك بالله أكبر من صورتك أمام الناس..
لأن الناس قد يرون المنشور..
وقد يضعون إعجابًا..
وقد يكتبون تعليقًا..
لكن الله يرى ما وراء الشاشة.
وهناك حيث لا جمهور ولا متابعون ولا إعجابات ولا مشاركات
يبدأ الامتحان الحقيقي للتدين.









