كتب احمد عسله
طرح الأستاذ الدكتور محمود مصطفى طه عميد كلية الطب بجامعة الزقازيق ورئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية رؤية تستحق التوقف أمامها لأنها لا تتعامل مع مفهوم «الفوضى الخلاقة» باعتباره مجرد مصطلح سياسي وإنما تنظر إليه من زاوية أوسع كيف يصبح المجتمع قابلا للتأثر عندما تتغير طريقة حياته ثم تتغير معها تدريجيا منظومة أولوياته وقيمه؟
يقول الدكتور محمود طه في إحدى أطروحاته إن «الفوضى الخلاقة» لم تكن لتنجح في المنطقة مع أجيال الخمسينيات والستينيات وحتى نهاية السبعينيات ويربط ذلك بما يعتبره تحولا تدريجيًا في أنماط الحياة مع انتشار مظاهر من الثقافة الاستهلاكية والترفيهية القادمة من النموذج الأمريكي من الوجبات السريعة إلى الكافيهات وأفلام السينما الأمريكية.
لكن وراء هذه العبارة مساحة أكبر للتفكير من مجرد أسماء أماكن أو أنواع طعام أو أفلام.
فالمشكلة ليست في مطعم للوجبات السريعة ولا في مقهى ولا في فيلم أمريكي.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان مستهلكا لما يأتيه من الخارج دون أن يمتلك القدرة على الاختيار والفرز وإعادة تشكيل ما يتلقاه بما يتناسب مع هويته وثقافته.
وهنا يصبح السؤال
هل يمكن أن تتغير المجتمعات من بوابة التفاصيل الصغيرة قبل أن يشعر الناس بأن شيئا كبيرا قد تغير؟ ربما.
فالإنسان لا يستيقظ ذات صباح ليجد منظومة قيمه قد تبدلت بالكامل التغيير يحدث بالتدريج
ذوق جديد طريقة كلام جديدة أنماط استهلاك جديدة مفهوم مختلف للنجاح
معايير جديدة للشهرة
ثم يتحول ما كان غريبا بالأمس إلى عادي اليوم وما كان عاديا إلى قديم وما كان قديما إلى شيء لا يفهمه الجيل الجديد.
وهنا تكمن أهمية أطروحة الدكتور محمود طه فهو يضع أيدينا على المعركة الحقيقية:د معركة الوعي.
ليس المطلوب أن نغلق الأبواب أمام العالم ولا أن نعيش بمعزل عن التطور ولا أن نرفض كل ما يأتي من الخارج لمجرد أنه جاء من الخارج.
على العكس المجتمعات القوية هي التي تستطيع أن تفتح أبوابها للعالم ثم تدخل ما ينفعها وتترك ما لا يناسبها.
اليابان نفسها التي كثيرا ما يستشهد بها الدكتور محمود طه في حديثه عن التعليم والطب مثال واضح على أن الانفتاح على العالم لا يعني الذوبان فيه.
يمكن أن تتعلم من الآخرين دون أن تصبح نسخة منهم يمكن أن تستورد التكنولوجيا دون أن تستورد معها كل تفاصيل الحياة يمكن أن تشاهد سينما العالم دون أن تفقد سينماك يمكن أن تأكل ما تشاء دون أن تفقد هويتك الغذائية ويمكن أن تستخدم أحدث تطبيقات العالم دون أن تسلم عقلك لمن صنعها.
المشكلة إذن ليست في الانفتاح وإنما في الانفتاح بلا بوصلة وهنا نصل إلى «الفوضى».
فأي مجتمع يريد أن يحافظ على تماسكه يحتاج إلى شيء أكبر من القوانين يحتاج إلى قيم مشتركة أسرة لها معنى مدرسة لها رسالة جامعة تصنع عقلا لا شهادة فقط إعلام يعرف الفرق بين التأثير والإثارة وشاب يعرف أن الحرية ليست أن تفعل كل ما تستطيع وإنما أن تعرف ما ينبغي أن تفعله
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يتغير شكل الشارع بل أن يتغير مقياس الإنسان لما هو صحيح وخطأ.
حين يصبح النجاح هو المال فقط والشهرة قيمة في حد ذاتها والاختلاف عداوة والاستهلاك دليلا على المكانة والترند أهم من الحقيقة والصورة أهم من الجوهر هنا تبدأ المشكلة.
لأن الإنسان الذي فقد بوصلته الداخلية يصبح أكثر قابلية لأن تقوده أي موجة مهما كان اتجاهها ومن هنا يمكن قراءة أطروحة الدكتور محمود طه بعيدا عن فكرة «المؤامرة» بمعناها المبسط.
فليس كل ما جاء من الخارج مؤامرة وليس كل جديد خطرا وليس كل قديم فضيلة لكن أخطر شيء أن نفقد القدرة على الاختيار أن يصبح التقليد أسهل من التفكير والاستهلاك أسهل من الإبداع والانفعال أسرع من العقل والشائعة أقوى من الحقيقة والصورة أقوى من القيمة.
وهنا بالضبط يصبح الحديث عن «الفوضى» أكثر عمقا لأن الفوضى ليست دائما شارعا مزدحما أو مؤسسات مضطربة أو أصواتا مرتفعة.
أحيانا تبدأ الفوضى داخل الرأس عندما لا يعود الإنسان يعرف ماذا يريد ولا لماذا يرفض ولا لماذا يقبل ولا ما الذي يستحق أن يدافع عنه.
وعندما تفقد الأجيال قدرتها على التمييز يصبح من السهل أن تتحول الاختلافات الطبيعية إلى صراعات وأن يتحول الغضب إلى سلوك وأن تتحول الحرية إلى فوضى وأن تتحول الرغبة في التغيير إلى هدم لكل شيء.
ولذلك فإن مواجهة الفوضى لا تبدأ فقط من أجهزة الدولة بل تبدأ من بناء الإنسان إنسان يعرف تاريخه ويحترم وطنهوويقرأ العالم دون أن يذوب فيه ويتعلم من الآخرين دون أن يخجل من نفسه ويعرف أن الحداثة ليست أن تتخلى عن هويتك وإنما أن تمتلك القدرة على تطويرها.
وهنا تصبح رسالة الدكتور محمود طه شديدة الأهمية لا تخافوا من العالم خافوا فقط من أن تدخلوا العالم بلا وعي.
خذوا منه العلم والتكنولوجيا والإدارة..
والطب والانضباط والبحث العلمي لكن لا تسلموا له عقولكم كاملة.
فالمجتمع القوي ليس ذلك الذي يغلق نوافذه ولا ذلك الذي يفتحها كلها بل ذلك الذي يعرف متى يفتح وماذا يدخل وماذا يترك خارج الباب.
وهكذا يتحول طرح الدكتور محمود طه من مجرد ملاحظة عن «جيل الخمسينيات والستينيات» إلى سؤال يخصنا جميعا اليوم
ماذا نريد أن نورث أبناءنا؟ ليس فقط ماذا سيأكلون ولا ماذا سيرتدون ولا ماذا سيشاهدون ولا أي هاتف سيحملون
بل أي قيم ستسكن داخلهم عندما تنطفئ الشاشات؟فالشاشة يمكن أن تعطيك ملايين الصور لكنها لا تستطيع أن تمنحك هوية والإعلان يستطيع أن يخبرك بما يجب أن تشتري لكنه لا يستطيع أن يخبرك من أنت والترند يستطيع أن يجعلك مشهورا يوما
لكنه لا يستطيع أن يصنع لك قيمة تعيش بعد أن ينتهي الترند.
وهنا يبقى السؤال الذي يستحق أن نتركه معلقا إذا كانت الفوضى تحتاج إلى مجتمع هش حتى تجد طريقها فهل يكون أقوى سلاح ضدها هو أن نعيد بناء الإنسان من الداخل؟
ربما تكون الإجابة أقرب مما نتصور
ابنِ إنسانا يعرف قيمة وطنه ويحترم نفسه ويملك عقله ويعرف تاريخه ويحسن استخدام الحداثة دون أن يصبح عبدا لها وستجد أن كثيرا من أبواب الفوضى قد أُغلقت قبل أن تصل إليها.
وهذه، في النهاية ليست دعوة للعودة إلى الماضي بل دعوة ألا نذهب إلى المستقبل ونحن قد تركنا أنفسنا في الطريق…








