من حقنا أن نتعلم من تجارب الدول الناجحة ومن واجبنا أن نبحث عن أسرار نهضتها وأن نستفيد من تجاربها في التعليم والصناعة والإدارة والاقتصاد ولكن ليس من حق أحد أن يتعامل مع تجارب الدول باعتبارها وصفات جاهزة تصلح لكل زمان ومكان دون أن ينظر إلى اختلاف الجغرافيا والتاريخ والواقع السياسي والأمني.
لقد أصبحت تجربة سنغافورة التي قاد نهضتها مؤسسها ورئيس وزرائها الأسبق لي كوان يو نموذجا يُستشهد به كلما دار الحديث عن التنمية الاقتصادية وتوجيه الموارد إلى التعليم والصحة والبنية الأساسية وتقليل أعباء الإنفاق غير المنتج.
وكل ذلك محل تقدير واحترام بل إن مصر في أمسّ الحاجة إلى الاستفادة من كل تجربة ناجحة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أصحاب هذا الطرح
هل يجوز أن نقارن مصر بسنغافورة في أولويات الإنفاق والأمن القومي دون أن نقارن أولا طبيعة الأخطار التي تواجه كل دولة وموقعها الجغرافي ومسؤولياتها الإقليمية والدولية؟
دعونا نضع الأسئلة أمام الجميع
1- ما طبيعة التهديدات العسكرية والأمنية التي تحيط بسنغافورة وهل تتشابه مع التهديدات التي تواجه الدولة المصرية؟
2- هل تقع سنغافورة على حدود دولة تخوض صراعا ممتدا مع محيطها وتوجد بشأنها مخاوف مصرية حقيقية تتعلق بأمن الحدود ورفض تهجير الفلسطينيين وتصفية قضيتهم على حساب الأراضي المصرية؟
3- هل تواجه سنغافورة التحديات الحدودية والأمنية نفسها التي تواجهها مصر على امتداد حدودها الغربية والجنوبية والشرقية في منطقة إقليمية شديدة الاضطراب؟
4- هل تعتمد سنغافورة على نهر النيل الذي يمثل شريان الحياة الرئيسي للمصريين وتواجه التحديات المرتبطة بأمنه المائي وحقوقها التاريخية في مياهه؟
5- هل تتحمل سنغافورة مسؤولية تأمين قناة السويس أحد أهم الممرات الملاحية في العالم وحماية حركة التجارة الدولية في منطقة تتشابك فيها الصراعات والمصالح الدولية؟
6- هل تمتلك سنغافورة الامتداد الجغرافي والثروات الطبيعية والمناطق البحرية والحدود البرية والبحرية التي يتعين على مصر تأمينها وحماية حقوقها ومصالحها فيها؟
7- هل تتحمل سنغافورة مسؤوليات مصر نفسها باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط وأفريقيا ولها أدوار سياسية وأمنية ودبلوماسية تتجاوز حدودها الجغرافية؟
8- هل تواجه سنغافورة التحديات المتعلقة بمكافحة الإرهاب وتأمين سيناء وحماية الحدود ومواجهة تداعيات الصراعات المسلحة المتعددة في محيطها الإقليمي بالدرجة ذاتها التي تواجهها مصر؟
9- هل تمتلك سنغافورة الكتلة السكانية والامتداد الاستراتيجي والتاريخ العسكري والثقل الإقليمي نفسه الذي يجعل مسؤوليات الدفاع عن الدولة المصرية مختلفة تماما؟
والأهم من كل هذه الأسئلة هل يعلم الذين يستشهدون بتجربة سنغافورة أن مؤسس نهضتها لم يتخلَّ عن بناء الجيش كما يتردد زورا وبهتانا ولم يعتبر الإنفاق العسكري عائقا أمام التنمية؟
بل الحقيقة أن لي كوان يو أدرك مبكرا أن الدولة التي لا تستطيع حماية استقلالها وقرارها لن تستطيع ضمان مستقبلها الاقتصادي.
لقد أسس جيشا قويا وفرض الخدمة الوطنية واستثمر في التسليح والتدريب والتكنولوجيا العسكرية بالتوازي مع الاستثمار في التعليم والصناعة والاقتصاد.
وهنا تسقط المغالطة من أساسها!
فمصر ليست دولة تبحث عن رفاهية التسلح ولا تنفق على جيشها لمجرد الاستعراض وإنما دولة تحيط بها تحديات حقيقية وتتحمل مسؤوليات تاريخية وجغرافية واستراتيجية لا يمكن تجاهلها.
مصر دولة لها حدود مع ليبيا والسودان وإسرائيل وقطاع غزة ولها واجهتان بحريتان على البحر المتوسط والبحر الأحمر ولها موقع فريد يربط قارتي أفريقيا وآسيا وتتحكم في قناة السويس وتتعامل مع تحديات أمنها المائي المرتبطة بنهر النيل.
ومصر ليست مجرد مساحة جغرافية على خريطة العالم إنها دولة ذات ثقل سياسي وعسكري وحضاري وأمنها لا ينفصل عن أمن منطقة كاملة.
ولا يعني ذلك أن كل دولة مجاورة عدو أو أن كل خلاف سياسي تهديد عسكري أو أن علينا أن ننظر إلى العالم بعين الشك والريبة. فالعلاقات الدولية تُبنى على المصالح والاتفاقات والتوازنات لكن الحكمة تقتضي أن نكون مستعدين لكل الاحتمالات وألا نترك أمننا رهينة لحسن نوايا الآخرين.
ولنكن أكثر وضوحا مصر لا تملك رفاهية الاختيار بين التعليم والجيش ولا بين الصحة والأمن ولا بين التنمية والقدرة على الردع.
مصر تحتاج إلى كل ذلك معا.
نحتاج إلى مدرسة متطورة وجامعة عالمية ومستشفى يليق بالمواطن ومصنع منتج ومزرعة تحقق الأمن الغذائي وبنية أساسية حديثة واقتصاد قوي يوفر فرص العمل ويصون كرامة الإنسان.
ونحتاج في الوقت نفسه إلى جيش محترف قوي وتسليح متطور وقاعدة صناعية عسكرية وقوات قادرة على حماية الحدود والمياه والأرض والسماء وردع كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن الوطن.
فالجيش القوي لا يهدم الاقتصاد كما أن الاقتصاد القوي لا يستغني عن الجيش وإنما الخطر الحقيقي أن نمتلك اقتصادا بلا حماية أو جيشا بلا قاعدة اقتصادية قادرة على دعمه واستدامة قوته.
وهنا يجب أن نفهم المعادلة المصرية كما ينبغي
التعليم يصنع الإنسان والصناعة تصنع القوة والاقتصاد يوفر الإمكانات والجيش يحمي الأرض والإرادة والقرار.
وليس من الحكمة أن نطالب الدولة بالتخلي عن أحد هذه الأركان لحساب الآخر بل أن نطالبها بحسن إدارة الموارد وترشيد الإنفاق ومنع الهدر وربط كل جنيه بأعلى عائد ممكن سواء أكان عائدا اقتصاديا أم اجتماعيا أم أمنيا.
ولعل أبلغ ما نستشهد به في هذا المقام قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.
إنها دعوة إلى الاستعداد والأخذ بالأسباب وليست دعوة إلى الحرب أو الاعتداء فالقوة الحقيقية هي التي تمنع الحرب وتحمي السلام وتصون الأوطان.
ولذلك فإن الاستشهاد بسنغافورة ينبغي أن يقودنا إلى سؤال آخر أكثر أهمية
كيف نجحت في بناء الإنسان وتطوير التعليم ورفع كفاءة الإدارة وتحقيق الانضباط وترشيد الإنفاق وبناء اقتصاد تنافسي مع الاحتفاظ بقوة عسكرية قادرة على حماية استقلالها؟
هذا هو الدرس الحقيقي الذي يستحق أن نتعلمه منها.
أما أن نأخذ من التجربة ما يتعلق بالتنمية ثم ننسب إليها ما لم تفعله بشأن التخلي عن الدفاع والتسليح فذلك ليس استلهاما للتجارب وإنما اجتزاء لها وإخلال بحقيقتها.
والله ياسادة لسنا ضد سنغافورة ولسنا ضد التعليم ولسنا ضد توجيه كل الموارد الممكنة إلى التنمية بل نحن مع كل ذلك ونريد لمصر أن تكون في مصاف الدول المتقدمة.
لكننا ضد القياس الخاطئ وضد اختزال أمن مصر في معادلة مالية مجردة وضد تجاهل الجغرافيا والتاريخ والواقع الإقليمي.
فمصر ليست جزيرة صغيرة في جنوب شرق آسيا ومصر ليست دولة بلا حدود ملتهبة أو مسؤوليات إقليمية ومصر ليست مجرد رقم في حسابات الاقتصاد العالمي.
مصر دولة لها تاريخها وموقعها ومقدراتها ومصالحها ومن حقها بل من واجبها أن تحمي كل ذلك.
نريد لمصر أن تكون سنغافورة في التعليم والانضباط والإدارة والإنتاج وأن تكون مصر في قوتها ومكانتها وقدرتها على حماية أرضها وسيادتها وقرارها.
فلا تنمية بلا أمن ولا أمن مستدام بلا اقتصاد قوي ولا دولة تحترم نفسها تفرط في أسباب قوتها.
تحيا مصر قوية بجيشها منتجة باقتصادها متقدمة بعلمها عزيزة بإرادة شعبها عفية بقدرة الله ثم بعلم ومفهمومية وصمود رئيسها المعلم والملهم..








