دعونا نتحدث بصراحة بعيداً مساحيق التجميل وعن المجاملات التي لا تصلح اعوجاجاً وعن تلك العبارات المعلبة التي نرددها كلما انكشف خلل في مدارسنا ثم نمضي وكأن شيئاً لم يكن.
ما يحدث داخل بعض مدارسنا لم يعد مجرد تجاوزات عابرة ولا شقاوة صغار ولا اختلافا طبيعيا بين أجيال إنما أصبح جرس إنذار يقرع بعنف في وجه مجتمع يحتاج إلى أن يتوقف طويلا بالفحص والدرس أمام نفسه ويسأل أي إنسان نصنع؟ وأي جيل نترك؟ وأي مستقبل ننتظر من أبناء لم يتعلم بعضهم بعد أن للكلمة حرمة وللمعلم مكانة وللاحترام أصولا لا تسقط بالتقادم؟!
المصيبة ليست في طالب رفع صوته على معلمه فحسب ولا في آخر أطلق لفظا لا يليق بمكان يتلقى فيه العلم ولا في سلوك تجاوز حدود الأدب والانضباط المصيبة الحقيقية أن تتحول هذه المشاهد من أمور مستهجنة إلى وقائع يجري التعامل معها باعتبارها أمراً عادياً وأن يصبح الدفاع عن المعلم تهمة والمطالبة بالانضباط تشدداً ومحاسبة المخطئ اعتداء على حقوق الطالب!
منذ متى أصبح احترام المعلم وجهة نظر؟ ومنذ متى صار الانضباط قيداً على الحرية؟ ومنذ متى أصبح الأب الذي يُستدعى إلى المدرسة يذهب ليدافع عن خطأ ابنه قبل أن يعرف حقيقة ما ارتكبه؟!
وهنا نصل إلى بيت القصيد وإلى أصل الداء الذي لا يريد كثيرون الاقتراب منه.
الأسرة نعم الأسرة!
ليست الأسرة مجرد سقف يجمع الأبناء ولا ثلاجة ممتلئة ولا مصروف يومي ولا هاتف حديث ولا ملابس تحمل أحدث الماركات. الأسرة مؤسسة تربية قبل أن تكون مؤسسة إنفاق والأبوة ليست توقيعا في شهادة الميلاد والأمومة ليست مجرد رعاية للطعام والشراب والملبس.
إنما التربية أن تزرع في ابنك ضميراً يراقبه عندما تغيب وأن تغرس في ابنك احتراماً يمنعه من الإساءة حتى عندما لا يراه أحد وأن تعلّمه أن القوة ليست في ارتفاع الصوت وأن الرجولة ليست في قهر الأضعف وأن الحرية لا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء دون حساب.
يا سادة هناك فرق هائل بين أن تربي ابناً يعرف حقوقه وابن آخر يظن أن له حقوقاً بلا واجبات وبين أن تنشئ طفلاً واثقاً بنفسه وآخر متطاولا على كل من حوله.
لقد أخطأنا عندما اختزلنا التربية في تلبية الرغبات وعندما أصبح الاعتذار للطفل عن منعه من الخطأ أهم من تعليمه لماذا كان مخطئاً وعندما صارت كلمة «عيب» ثقيلة على الألسنة وأصبح الحزم جريمة والعقاب التربوي المنضبط قسوة وترك الحبل على الغارب اسمه احتواء!
لقد دللنا بعض الأبناء حتى أفسدنا قدرتهم على احتمال كلمة لا ودافعنا عن أخطائهم حتى ظنوا أن الخطأ حق مكتسب وطلبنا من المعلم أن يصبر على ما لا نقبل أن نراه في بيوتنا!
ولعل السؤال الذي يجب أن يواجه كل أب وأم ماذا فعلت عندما أخطأ ابنك في حق معلمه؟ هل بحثت عن الحقيقة أم بحثت عن مخرج؟ هل علمته الاعتذار أم علمته المراوغة؟ هل قلت له إن المعلم يستحق الاحترام أم قلت له إنك لن تسمح لأحد بأن يرفع صوته عليه حتى لو كان هو المخطئ؟!
إن أخطر ما يمكن أن تقدمه لابنك ليس المال الذي تمنحه إياه بل أن تمنحه حصانة من نتائج أخطائه فذلك لا يصنع شخصية قوية وإنما يصنع إنساناً يعتقد أن العالم كله مطالب بأن يتحمل أخطاءه!
أما المعلم فله علينا كلمة إنصاف واجبة
المعلم ليس خصماً والله للطالب ولا عدواً لولي الأمر ولا موظفاً مهمته أن يشرح الدرس ثم ينصرف ولا شماعة نعلق عليها كل إخفاق تربوي.
المعلم صاحب رسالة يقف أمام عشرات العقول يحاول أن يفتح نوافذ المعرفة ويصنع من الحروف أفكاراً ومن المعلومات وعياً ومن التوجيه سلوكاً فكيف نطالبه بأن يمنح كل ذلك في بيئة تُنتزع منه فيها أبسط حقوقه في الاحترام والتقدير؟
كيف نطالبه أن يكون قدوة ثم نسمح بإهانته وركله وضربه بل والبصق عليه؟ وكيف نطالبه أن يضبط الفصل ثم نسلبه أدوات الانضباط؟ وكيف نحمّله مسؤولية فشل الطالب بينما لا نمنحه سلطة تربوية حقيقية ولا نسانده عندما يؤدي واجبه؟
ولنكن منصفين أيضاً المعلم بشر قد يصيب وقد يخطئ ولا حصانة لأحد من المساءلة لكن معالجة خطأ المعلم تكون بالقانون والقنوات الصحيحة لا بالإهانة والتشهير والفوضى كرامة الطالب واجبة وكرامة المعلم واجبة ولا تقوم مدرسة سليمة على إهدار كرامة أحدهما.
والمدرسة ليست بديلا عن البيت كما أن البيت ليس بديلا عن المدرسة.
هذه حقيقة ينبغي أن تُكتب على جدران كل مدرسة وأن تُعلّق في كل بيت.
فالمدرسة تعلم وتوجه وتهذب وتكتشف المواهب وتقوم السلوك لكنها لا تستطيع وحدها أن تعيد بناء ما هدمه الإهمال الأسري ولا أن تعالج في ساعات النهار ما ترسخ من عادات خاطئة طوال اليوم والليل.
والأسرة تربي وتغرس وتتابع وتحتضن لكنها تحتاج إلى مدرسة قوية ومعلم محترم وإدارة واعية ونظام يحمي الجميع.
أما أن يتبادل الطرفان الاتهامات ويقف كل منهما في خندق مقابل الآخر فالخاسر الوحيد هو الطالب ثم المجتمع بأسره.
وهناك مسؤولية أخرى لا يجوز تجاهلها مسؤولية المجتمع والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي أسهم بعضها في صناعة صورة مشوهة عن المعلم وفي تحويل التجاوزات إلى مادة للضحك والتندر وفي منح الشهرة لمن يسيء ويتطاول بينما لا يجد صاحب القيمة والتربية نصف هذا الاهتمام.
لقد أصبحنا أحياناً نكافئ السلوك الخطأ بالتصفيق والمشاهدة والمشاركة ثم نتساءل بدهشة لماذا تراجع الأدب؟!
إننا لا نحتاج إلى جيل يخاف من معلمه بل إلى جيل يحترمه ولا نحتاج إلى مدرسة تقوم على الرعب بل إلى مدرسة تقوم على النظام والعدل والاحترام ولا نحتاج إلى معلم يفرض هيبته بالصوت بل إلى منظومة تحفظ مكانته بالقانون والقيم.
نحتاج إلى عودة الأب إلى دوره والأم إلى رسالتها والمعلم إلى مكانته والمدرسة إلى هيبتها والإدارة إلى حزمها والقانون إلى حضوره العادل.
نحتاج إلى أن يفهم كل طالب أن له حقوقاً مصونة لكن عليه واجبات لا تقل قداسة عن تلك الحقوق.
نحتاج إلى أن يدرك كل ولي أمر أن الدفاع عن ابنه لا يعني تبرير خطئه وأن أعظم خدمة تقدمها لابنك ليست أن تنتصر له في كل معركة وإنما أن تعلمه متى يكون مخطئاً وكيف يعتذر وكيف يصحح مساره.
ونحتاج إلى أن نتوقف عن خداع أنفسنا فالشهادات لا تصنع إنساناً والتفوق الدراسي لا يعوض انعدام الأخلاق والدرجات المرتفعة لا تمنح صاحبها رخصة لإهانة الآخرين.
قد نغفر لطالب ضعف مستواه العلمي وقد نساعده حتى يتفوق لكن كيف نطمئن إلى مستقبل إنسان لا يعرف قيمة الاحترام ولا يحترم من يعلمه ولا يدرك أن الكلمة مسؤولية والسلوك عنوان صاحبه؟!
إن أخطر أمية قد تواجه مجتمعاً ليست أمية القراءة والكتابة وإنما أمية الأخلاق وأخطر فشل قد يصيب التعليم ليس رسوب طالب في امتحان وإنما نجاح طالب في الحصول على شهادة بينما يفشل في امتحان الإنسانية.
وأقولها بوضوح لا يحتمل التأويل لا تطلبوا من المدرسة أن تصنع وحدها ما عجز البيت عن غرسه ولا تطالبوا المعلم بأن يكون أباً وأماً وأخصائياً نفسياً ورقيباً ومعلماً في آن واحد ثم تحاسبوه إذا لم يستطع أن يحمل وحده كل هذه الأعباء.
لا تتركوا أبناءكم نهباً للشاشات وللصحبة غير المنضبطة وللمحتوى الذي يهدم القيم ثم تسألون من أين جاءهم هذا السلوك.
ولا تجعلوا من العناد بطولة ومن قلة الأدب جرأة ومن التطاول على الكبار دليلا على الشخصية المستقلة.
فالأمم لا تسقط فقط عندما تضعف جيوشها أو تتعثر اقتصادياتها وإنما يبدأ سقوطها الحقيقي عندما تفقد القدرة على تربية أبنائها وعندما يصبح احترام الإنسان قيمة قابلة للتفاوض!
وليعلم الجميع أن المعلم الذي نقف اليوم عاجزين عن حماية كرامته هو نفسه الذي نحتاج إليه غداً ليصنع الصحفى والاعلامى والطبيب والمهندس والقاضي والضابط والعالم.
فإذا انكسرت هيبة المعلم واختلت رسالة المدرسة وغابت مسؤولية الأسرة فلا تسألوا بعد ذلك لماذا تراجعت القيم ولماذا اختل الميزان ولماذا أصبحنا نبحث عن الأخلاق في زمن كان ينبغي أن تكون فيه الأخلاق هي عنواننا الأول.
الخلاصة التي لا أريد أن يجاملني فيها أحد
ربّوا أبناءكم قبل أن تطالبوا المدارس بتقويمهم وعلّموهم احترام الناس قبل أن تطالبوهم بالحصول على أعلى الدرجات وكونوا أنتم القدوة قبل أن تبحثوا لهم عن قدوة.
فليس النجاح أن تترك لابنك ثروة يرثها بل أن تترك في ضميره ثروة تحميه من نفسه ومن أخطائه.
وليس أعظم ما تقدمه لأبنائك أن تفتح لهم أبواب المستقبل وإنما أن تربيهم حتى يستحقوا العبور من تلك الأبواب.
فالمدرسة قد تمنح ابنك شهادة يعلقها على الحائط لكن البيت هو الذي يمنحه أخلاقاً يحملها في قلبه طوال العمر وإذا خسرنا المعركة في البيت فلن تنقذنا كل مدارس الدنيا
وصدق مقولة ان «أخطر أمية ليست أمية القراءة والكتابة وإنما أمية الأخلاق وأخطر فشل تعليمي أن يحصل الإنسان على شهادة في العلم ويسقط في امتحان الإنسانية»…








