هناك ظاهرة تربوية تستحق أن نتوقف أمامها طويلاً بل أن نضعها تحت مجهر النقد والمراجعة لأنها أصبحت أحد أخطر أسباب انهيار الانضباط داخل مدارسنا وأحد أهم العوامل التي تقتل في نفوس الأبناء القدرة على الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية.
إنها ظاهرة الأب أو الأم اللذين يتحولان بمجرد استدعائهما إلى المدرسة إلى محامين عن أبنائهما قبل أن يعرفا ماذا حدث وقبل أن يسمعا رواية المعلم وقبل أن يتحققا من حقيقة الواقعة!
يذهب ولي الأمر إلى المدرسة لا ليسأل ماذا فعل ابني؟ وكيف نعالج خطأه؟ وإنما ليسأل بلهجة غاضبة ومن الذي تجرأ على ابني؟!
يا سادة منذ متى أصبح الاعتراف بخطأ الابن إهانة لكرامة الأسرة؟ ومنذ متى صار تقويم السلوك اعتداء على الطفل؟ ومن الذي أقنع بعض الآباء والأمهات بأن الدفاع عن الأبناء يعني تبرئتهم حتى لو كانوا مخطئين؟!
إنك لا تحمي ابنك عندما تبرر خطأه بل تتركه وحيداً أمام أخطائه القادمة وتمنحه وهماً خطيراً بأن هناك دائماً من سيقف خلفه ليحميه من عواقب ما يفعل.
تأملوا هذه المفارقة المؤلمة
أب يرفض أن يعتذر ابنه لمعلمه وأم تعتبر تنبيه المدرسة لابنها إهانة شخصية لها وولي أمر يهدد ويتوعد لأنه لم يعجبه أسلوب محاسبة ابنه بينما لا يسأل نفسه سؤالا واحداً هل أخطأ ابني بالفعل؟!
أي تربية هذه التي تجعل كرامة الأسرة في كفة وكرامة الآخرين في كفة أخرى؟!
وأي منطق هذا الذي يطالب المجتمع باحترام أبنائنا بينما لا نعلم أبناءنا احترام المجتمع؟!
لقد أصبح بعض الأبناء يدخلون المدرسة وهم يحملون في داخلهم شعوراً خطيراً بأنهم فوق المساءلة وأن كل خطأ يمكن تبريره وكل تجاوز يمكن الدفاع عنه وأن المعلم مهما كان موقفه لن يجد من يسانده إذا وقف أمام ولي أمر قرر أن ينتصر لابنه قبل أن يعرف الحقيقة.
وهنا لا نتحدث عن أبوة أو أمومة بل عن سوء فهم عميق لمعنى المسؤولية الأسرية.
الأب الحقيقي ليس الذي ينتصر لابنه في كل خلاف وإنما الذي ينتصر للحقيقة حتى لو كان ابنه هو المخطئ.
والأم العظيمة ليست التي ترى ابنها دائماً على صواب وإنما التي تملك الشجاعة لتقول له أخطأت وعليك أن تعتذر.
إنك عندما تدافع عن ابنك وهو مخطئ فأنت لا تنقذه من العقاب وإنما تحرمه من درس قد ينقذه من أخطاء أكبر في المستقبل.
وعندما تمنعه من الاعتذار فأنت لا تحفظ كرامته وإنما تزرع في داخله كبرياءً أجوف يمنعه من الاعتراف بالحقيقة.
وعندما تقنعه بأن الآخرين دائماً مخطئون فأنت تصنع إنساناً عاجزاً عن مراجعة نفسه لا يتحمل مسؤولية ولا يقبل نقداً ولا يعرف كيف يتعامل مع الحياة.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله بابنك أن تجعله يعتقد أنه لا يخطئ!
ولنكن واضحين لسنا هنا بصدد منح المعلم سلطة مطلقة ولا تبرير أي تجاوز يصدر عنه فالمعلم نفسه يخضع للمساءلة والطالب له كرامة وحقوق لا يجوز المساس بها لكن هناك فرقاً شاسعاً بين أن تطالب بحق ابنك بالقانون وبين أن تستخدم حقوقه ستاراً لتبرير أخطائه.
إذا أخطأ المعلم فهناك إدارة تعليمية وقنوات قانونية للتحقيق والإنصاف وإذا أخطأ الطالب فهناك واجب تربوي في التقويم والمحاسبة. أما أن يتحول كل خلاف إلى معركة كرامة بين ولي الأمر والمعلم فهذه ليست حماية للطفل بل هدم لما تبقى من جسور التربية.
يا أولياء الأمور
لا تجعلوا أبناءكم ضحايا حبكم الزائد ولا تحولوهم إلى أشخاص لا يعرفون الاعتذار ولا تسمحوا لعاطفتكم أن تفسد قدرتهم على التمييز بين الحق والباطل.
علموا أبناءكم أن الاعتذار شجاعة وأن احترام الكبير أدب وأن المعلم ليس عدواً وأن الخطأ لا يصبح صواباً لأن مرتكبه ابننا أو فلذة أكبادنا.
علموهم أن الحياة لن تمنحهم دائماً من يدافع عنهم وأن المجتمع لن يتسامح مع كل تجاوز وأن الوظيفة لن تحميهم من سوء السلوك وأن المال لن يشتري احترام الناس وأن الشهادة العلمية لن تستر عيوب الشخصية إلى الأبد.
إنك قد تستطيع أن تخرج ابنك من مشكلة داخل المدرسة لكنك لن تستطيع أن تخرجه من نتائج شخصية صنعتها له بيديك.
والمؤلم أن بعض الآباء لا يدركون أنهم لا يربون أبناءهم على الثقة بالنفس وإنما يربونهم على الاستعلاء ولا يمنحونهم القوة وإنما ينزعون منهم القدرة على تحمل المسؤولية.
تذكروا جيداً يااحبابى
الطفل الذي لا يسمع في بيته كلمة «أنت مخطئ» سيكبر وهو يعتقد أن العالم كله مخطئ. والطفل الذي لا يتعلم الاعتذار لأستاذه قد يجد نفسه غداً عاجزاً عن الاعتذار لزميله أو رئيسه أو شريك حياته.
والطفل الذي يجد دائماً من يبرر له أخطاءه قد يصبح شاباً لا يرى في القانون إلا عقبة وفي النظام إلا قيداً وفي حقوق الآخرين أمراً ثانوياً.
إننا لا نربي أبناءنا لكي ينتصروا في كل خلاف وإنما نربيهم لكي يكونوا على حق حتى لو اضطروا إلى الاعتراف بأنهم كانوا على خطأ.
وأقول لكل أب وأم لا تسألوا فقط ماذا ستصبحون عندما يكبر أبناؤكم بل اسألوا ماذا ستتركون في نفوسهم عندما تكبر أجسادهم.
فليس النجاح أن يكون ابنك قوياً في مواجهة الآخرين وإنما أن يكون قوياً في مواجهة أخطائه ونزواته وغروره.
ولا أعظم من أب يربي ابنه على أن كرامته لا تعني إهانة غيره وأن حقه لا يبرر سلب حقوق الآخرين وأن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من قدره بل يرفع من إنسانيته.
فإذا كنت تحب ابنك حقاً وبجد وحقيقى فلا تكن محاميه في كل قضية بل كن معلمه الأول في معرفة الصواب والخطأ.
لا تحمِه من كل عقوبة بل احمه من أن يصبح إنساناً لا يتعلم من أخطائه ولا تنتصر له في معركة يخوضها ضد الحقيقة لأنك قد تكسب له معركة اليوم وتخسر له مستقبله غداً.
فالأب الذي يبرر كل أخطاء ابنه اليوم قد يقف غداً عاجزاً أمام إنسان لا يعرف كيف يتحمل مسؤولية نفسه.








