***يا دكتور رضا..
قرأت وسمعت ماتقوله من محتويات هولامية سفسطائية منمقة فى ظاهرها الرحمة والحمشنة والذى منه وفى داخلها سم قاتل وقلت لنفسي هل نحن أمام قراءة جديدة لمصر التي نعيش فيها أم أمام مصر أخرى مصنوعة من الكلمات ومعلّقة في الهواء لا علاقة لها كثيرا بما يراه المواطن بعينيه ويلمسه بيديه من انجازات واعجازات وتطورات وتصحيحات ؟
أنا والله لا أخاف من النقد بل أراه ضرورة ولا أخشى من الاختلاف بل أراه حقا ولا أطالب أحدا بأن يصفق للدولة في كل صغيرة وكبيرة لكنني أخشى شيئا واحدا أن تتحول اللغة الجميلة التى تستخدمها بمعلمة إلى وسيلة لنسف الحقيقة.
وأنت أكاديمي وتعرف قبل غيرك أن أخطر ما يقع فيه الباحث هو أن يصل إلى النتيجة أولا ثم يبحث بعد ذلك عن الكلمات التي تبررها وعليه فإذا أردنا أن نتحدث عن مصر بجد فلنتحدث عن مصر الحقيقية مصر التي فيها دولة ومؤسسات وقوانين وأجهزة ووزارات وهيئات وأجهزة رقابية ومحليات وقضاء وجيش وشرطة ومواطنون لهم حقوق وعليهم واجبات.
نختلف مع الدولة؟ نعم. ننتقد مسؤولًا؟ نعم.
نطالب بتغيير قانون أو سياسة؟ نعم. نكشف خطأ أو فسادًا؟ ألف نعم.
لكن أن ننتقل من نقد أداء محدد إلى رسم صورة ذهنية توحي بأن الدولة كلها بلا بوصلة والمجتمع بلا ضوابط والمؤسسات بلا قيمة وكأن البلد «سداح مداح» فهنا وهنا فقط لا بد أن نتوقف لأن مصر ليست فقرة فلسفية ومصر ليست سبورة يكتب عليها الأستاذ ما يشاء ثم يمسحها بجملة أخرى.
مصر واقع والواقع له مستندات والقرارات لها أرقام والمشروعات لها مواقع والاعتمادات لها دفاتر والإنجاز الحقيقي له أثر يراه الناس.
وهنا مربط الفرس هنا أصل إلى تجربتك أنت تحديدا كمحافظ أسبق فأنا لا أتحدث عنها من وراء مكتب ولا من أرشيف فيسبوك ولا من حكايات تُروى بعد سنوات أنا كنت في الشرقية وأغطي المحافظة صحفيا وكنت شاهدا على تلك الفترة من موقع الصحفي الذي يرى ويسأل ويتابع وينزل إلى الأرض.
ولذلك فإن ذاكرتي المهنية لا يمكن أن تستبدلها معاليك بصفحات التواصل الاجتماعي ولا أن تعيد تشكيلها المنشورات التي ظهرت بعد ذلك لتقدم تجربتك في صورة أسطورية.
بل إنني كتبت في وقتها وبالاسم وبالقلم مقالات ناقدة لأداء المحافظ ومنها مقال
«محافظ الكتاكيت والبطولة المزيفة»
ولم أكن وقتها أبحث عن بطولة شخصية ولا كنت أملك رفاهية أن أكتب بعد انتهاء التجربة وأعيد تركيب الأحداث على مزاج اللحظة كنت أكتب وأنا أتابع المشهد من داخله.
ومن هنا أسأل حضرتك أين الفاصل بين القرار والإنجاز؟
فقد يصدر المحافظ قرارا وقد يعقد اجتماعا وقد يقوم بجولة بل وجولات شو اعلامية وقد يطلق تصريحا وتصريحات وقد يعلن خطة لكن السؤال الذي لا يستطيع الإعلام تجاوزه ماذا حدث بعد التصريح أو التصريحات؟
هل نُفذ القرار؟ هل تغير وجه المكان؟ هل استفاد المواطن؟ هل استمر المشروع؟ هل تحولت الجولة إلى خدمة؟ هل بقيت الخطة بعد صاحبها أم انتهت بانتهاء صخبها؟هذا هو الامتحان الحقيقي لأي مسؤول.
وحتى الأرشيف الصحفي المنشور في ذلك الوقت يقدم صورة تستحق التأمل ففي أغسطس 2015 نشرت «المصري اليوم» تقريرا نقل شكاوى مواطنين من قرارات قيل إنها صدرت ولم تُطبق ومنها قرارات تخص التوك توك وتعريفة سيارات الأجرة وإحالات موظفين للتحقيق مع استمرار شكاوى من الخدمات في قطاعات عدة ايوه والله شكاوى من سوء او عدم وجود خدمات
وهنا لا أقول إن كل قرار صدر كان وهما ولا أقول إنك لم تفعل شيئا على الإطلاق فهذا تبسيط لا أريده بل أقول شيئا أدق وأخطر
ليس كل ما يقال عن الإنجاز إنجازا وليس كل قرار يصدر إنجازا وليس كل جولة ميدانية تنمية وليس كل صورة أمام كاميرا مشروعا وحتى ما نُشر وقتها عن الخطة الاستثمارية أو خطط التنمية يجب أن يُقرأ باعتباره إعلانا أو خطة أو قرارا ثم يُسأل بعد ذلك عن التنفيذ والاستدامة والأثر اى انك ياباشا لم تكن خارقا للعادة اداؤك كان تمشية حال
وهنا يا دكتور رضا اسمح لي أن أضع أمامك مرآة التجربة القديمة قبل أن نفتح دفاتر التنظير الجديدة.
الذي كان محافظا يُحاسب أولا على ما تركه في الأرض قبل أن يحاضرنا عن الأرض من فوق المنبر والذي يتحدث اليوم عن إصلاح الدولة ونقد بنيتها عليه أن يتذكر أن المواطن لا يعيش داخل الكتب الأكاديمية
المواطن يعيش أمام مدرسة ومستشفى وطريق وموقف ووحدة محلية ومياه وصرف ونظافة ورغيف عيش ومكتب حكومي وسوق ومزرعة وبيت هناك فقط يسقط الكلام على الأرض إما أن يقف وإما أن ينكسر.
أما أخطر ما في الخطاب الذي يلبس ثوب الحكمة والفلسفة فهو أن صاحبه كما تفعل حضرتك قد يقول كلامًطا صحيحا في جزء منه ثم يمد الخيط حتى يصل بالمتلقي إلى نتيجة أكبر بكثير من مقدماتها وهنا تكمن الخطورة.
أن تقول هناك مشكلة صحيح أن تقول هناك قصور ممكن أن تقول نحتاج إلى إصلاح.. بالتأكيد لكن أن تجعل المواطن يكفر بالوطن ويستنتج من كل ذلك أن الدولة بلا مؤسسات وأن كل شيء عبث وأن لا شيء يعمل وأن لا أمل وأن البلد تسير بلا قيادة أو مشروع
فهنا نكون قد خرجنا من النقد إلى صناعة الانطباع والانطباع ليس حقيقة والبلاغة ليست وثيقة والسفسطة ليست إحصاء والتلاعب بالمصطلحات لا يصنع إنجازا كما أن كثرة الكلام الحنجورى لا تصنع انهيارا
لان الحكم في النهاية للواقع.
وأنا هنا لا أريد أن أدخل في معركة شخصية مع د.رضا عبدالسلام.
فالرجل أستاذ جامعي وله حقه الكامل في أن يطرح أفكاره وله تاريخ مهني وسياسي ومن حقه أن يختلف ويعارض وينتقد لكن من حقي أنا أيضا أن أقول لا يا دكتور متوسعش الدور الخيالى اللى حضرتك حابب تعيشنا فيه فأنا كنت هناك كنت موجود ابان فترة حكمك كنت أرى ما يجري وكنت أتابع ما يصدر وكنت أكتب وكنت أعرف الفرق بين القرار الذي يعيش في الورق والقرار الذي يعيش في الشارع.
وأعرف الفرق بين المسؤول الذي يعمل في صمت والمسؤول الذي تحبه الكاميرات ويسعى اليها بشغف ليحدث جلبة وأعرف أن هناك فرقا هائلا بين صناعة الصورة وصناعة الأثر وهذه يادكتور ليست خصومة شخصية هذه شهادة صحفية.
أما مصر الغالية العزيزة فلا أحد يملك أن يحتكر الحديث باسمها لا مؤيد ولا معارض ولا أكاديمي ولا صحفي ولا مسؤول سابق ولا حتى جاهل مصر أكبر من الجمييييع.
ولذلك فإن الدفاع عن الدولة لا يعني تبرئة كل مسؤول كما أن انتقاد الدولة لا يعني هدمها فالدولة تُصلح بالنقد المسؤول لا بالتشكيك الشامل.
والرئيس عبدالفتاح السيسي نفسه لا ينبغي أن يكون فوق النقد كما لا ينبغي أن يكون هدفا دائما لكل خطاب يريد أن يجعل كل أزمة دليلا على فشل الدولة.
الميزان واحد
هات الرقم هات الوثيقة هات القرار هات نسبة التنفيذ هات أثره على المواطن وبعدها نتناقش.
أما أن نأخذ المواطن إلى بحر واسع من الكلمات مثل
العدالة والحرية والاقتصاد والدولة والمجتمع والإدارة والفساد والإصلاح ثم نتركه في النهاية أمام إحساس واحد ان«كل شيء غلط» فهذا ليس تحليلا مكتملا هذا إنتاج للحيرة.
ياباشا البلد التي تواجه تحديات اقتصادية وإقليمية وأمنية تحتاج إلى عقلاء يختلفون معها بعقل لا إلى خطباء يزيدون مساحة الشك بلا خريطة واضحة للبديل.
نحن لا نحتاج إلى معارضة تحرق البيت لأنها اكتشفت أن في المطبخ حريقا نحتاج إلى من يلمس ويقول الحريق هنا وسببه كذا
والحل كذا والتكلفة كذا والبديل كذا والنتيجة المتوقعة كذا هذه هي المعارضة التي تبني.
أما أن يتحول كل شيء إلى تشريح أدبي وكل مشكلة إلى مأساة وطنية وكل اختلاف إلى أزمة دولة وكل أزمة إلى مقدمة لانهيار
فهذا يحتاج هو نفسه إلى نقد.
وأقولها من موقع الصحفي الذي عاش تجربة الشرقية معك يادكتور رضا وشاهدها عن قرب لا تجعلوا صفحات التواصل الاجتماعي تعيد كتابة التاريخ بدلا من شهود التاريخ من أمثالى فالصفحة تستطيع أن تقول إن فلانا فعل لكن الأرض تستطيع أن تقول هل فعل فعلا؟ والصورة تستطيع أن تقول كان هنا
لكن المواطن يستطيع أن يقول وماذا ترك وراءه؟
وهذه هي المسافة بين الاستعراض والإنجاز وبين القرار والتنفيذ وبين البطولة المصنوعة والبطولة التي يصنعها الأثر وبين الكلام الذي يلمع ساعة والعمل الذي يعيش سنوات.
نصيحة لله وللتاريخ يا دكتور رضا
إن كان لديك نقد للدولة فقلْه وإن كان لديك إصلاح فاطرحه وإن كنت ترى خطأ فسمّه وإن كنت تملك بديلا فضعه أمام الناس لكن لا تطلب منا أن نصدق كل ما تقوله لأنك تقوله بلغة أكاديمية رشيقة.
فنحن في الصحافة تعلمنا أن أجمل خبر هو الخبر الذي تستطيع أن تذهب إلى مكانه وتراه بعينيك وأنا أحب أن أذهب إلى الأرض ارضع الواقع لأن الأرض لا تجامل ولا تنافق ولا تكتب منشورا ممولا ولا تصنع هالة حول أحد الأرض وحدها تقول الحقيقة.
ومصر رغم أوجاعها ومشكلاتها وأزماتها ليست ورقة في كتاب اقتصاد ولا حالة افتراضية في محاضرة ولا مشروعا تجريبيا لأحد.
مصر وطن جميل والأوطان تُنقد كي تتقدم لا تُهدم كي يثبت الناقد أنه كان على حق والتاريخ لا يكتب لمن كان أكثرهم كلاما
بل لمن كان كلامه أقرب إلى الحقيقة.








