كتب احمد عسله
من أطروحات الأستاذ الدكتور محمود مصطفى طه عميد كلية الطب بجامعة الزقازيق ورئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية تلك المشاهدات التي لا تمر مرور الكرام لأنه لا يتحدث فقط من موقع الطبيب والأستاذ الجامعي والإداري وإنما من موقع رجل يتأمل ما يحدث حوله، ويربط بين التفاصيل الصغيرة والأمراض الكبيرة التي تصيب المجتمع.
من بين هذه المشاهدات حديثه عن الفارق بين إعلام كان له رجال وقامات ومدارس وبين واقع جديد أفرزته السوشيال ميديا حتى أصبح من الممكن أن يستيقظ الإنسان صباحا فيجد نفسه أمام «إعلامي» لمجرد أنه يمتلك صفحة على فيسبوك أو يجيد تصوير فيديو أو يعرف كيف يرفع صوته ويصنع ضجيجًا حول نفسه.
زمان كانت الصحافة والإعلام يتعاملان مع أسماء من طراز الأستاذ محمد حسنين هيكل والأستاذ أحمد بهاء الدين والأستاذ سمير رجب والاستاذ إبراهيم نافع والاستاذ ابراهيم سعدة والاستاذ محسن محمد والاستاذ محفوظ الانصارى والاستاذ محمد ابوكريشة والاستاذ احمد رجب والاستاذ محمد الحيوان والاستاذ كامل زهيرى وغيرهم من أصحاب المدارس والخبرة والتاريخ وكانت الكلمة لها وزن والتوقيع له مسؤولية والخبر له مصادر والتحقيق له قواعد والرأي له صاحبه والمهنة لها حرمتها.
لم يكن الصحفي وقتها مجرد شخص يحمل هاتفا ويقف أمام مطعم ولا كانت قيمة المادة الصحفية تقاس بوجبة مجانية أو مبلغ يوضع في اليد مقابل منشور أو «ريفيو» أو إشادة مصطنعة.
أما اليوم فقد أوجدت السوشيال ميديا مساحة هائلة ومفتوحة للجميع وهذه في حد ذاتها ليست جريمة بل ربما تكون من أعظم أدوات العصر إذا أحسن استخدامها لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط حرية النشر بمفهوم المهنة وعندما يصبح امتلاك صفحة على موقع للتواصل الاجتماعي مساويا لامتلاك أدوات الصحافة.
هنا تحديدا يصبح السؤال ضروريا هل كل من يملك ميكروفونا صحفي؟ وهل كل من لديه آلاف المتابعين إعلامي؟ وهل كل من يستطيع أن يصور فيديو ويدخل مطعما ليحصل على وجبة أصبح صاحب رسالة؟
بالطبع لا.
فالصحافة ليست كاميرا والإعلام ليس عدد مشاهدات والمهنية ليست «ترندا» والرسالة ليست وجبة مجانية والضمير لا يُقاس بعدد المتابعين.
والأخطر من ذلك أن بعض أصحاب الأنشطة التجارية أو المسؤولين أو الشخصيات العامة قد يسهمون من حيث لا يشعرون في صناعة هؤلاء عندما يتعاملون معهم باعتبارهم إعلاميين لمجرد أنهم يملكون صفحات فيمنحونهم قيمة أكبر من حجمهم الحقيقي ثم يتساءلون بعد ذلك من أين جاءت هذه الظاهرة؟
نحن أحيانا نصنع للشمامين قيمة ثم نشكو من انتشار رائحة ما يصنعون
فحين يجد شخص أن منشورا واحدا يمكن أن يدر عليه وجبة أو مبلغا ماليا أو دعوة أو منفعة دون أن يملك تأهيلا مهنيا أو مسؤولية أخلاقية أو معرفة بأصول العمل الصحفي فإن الأمر يتحول من مجرد ممارسة فردية إلى سوق موازية تضعف السوق الأصلية وتشوّه صورة المهنة.
وهنا لا بد من التفريق جيدا بين صانع المحتوى والصحفي فلكل منهما مجاله واحترامه ولا ينبغي أن نحارب التكنولوجيا ولا أن نضع قيودا على التعبير المشروع لكن في الوقت نفسه لا يجوز أن نسمح بأن تختفي الحدود بين من يمارس مهنة لها قواعد وتشريعات وأخلاقيات وبين من يدير صفحة شخصية ويقدم محتوى ترفيهيا أو إعلانيا أو اجتماعيا.
المشكلة ليست في أن يكون للإنسان صفحة على فيسبوك المشكلة أن تتحول الصفحة إلى شهادة مزعومة بالمهنية وليست المشكلة في أن يدخل شخص مطعما ويأكل وجبة
المشكلة أن تتحول الوجبة إلى ثمن للصمت أو ثمن للمديح أو مقابل لتجميل صورة لا تستحق التجميل وليست المشكلة في الـ٥٠٠ جنيه باعتبارها مبلغا في حد ذاته وإنما في أن تتحول الكلمة إلى سلعة والسمعة إلى إعلان والمهنية إلى «من يدفع أكثر».
وهنا يأتي دور نقابة الصحفيين ليس لمطاردة كل صاحب صفحة ولا لمصادرة حق الناس في التعبير وإنما لحماية اسم المهنة من الالتباس وحماية الجمهور من الخلط وحماية الصحفي الحقيقي من أن يوضع في سلة واحدة مع كل من حمل هاتفا وكتب «معانا الإعلامي الكبير»!
نحن أمام عصر جديد يحتاج إلى تنظيم جديد وإلى وعي جديد وإلى تعريف أكثر وضوحا لمن هو الصحفي ومن هو صانع المحتوى ومن هو المعلن ومن هو الممارس لنشاط تجاري على منصات التواصل.
فالصحافة ليست امتيازا اجتماعيا لكنها أيضا ليست «سبوبة»وإذا كانت الأجيال السابقة قد بنت للمهنة سمعة من عرقها وخبرتها وقراءاتها وتحقيقاتها وسهرها خلف الخبر فلا يجوز أن نهدم تلك السمعة لأن شخصا قرر أن يجعل من صفحته محلا مفتوحا للبيع والشراء.
ويبقى الأهم
السوشيال ميديا لم تُسقط الإعلام لكنها كشفت كما هائلا ممن كانوا ينتظرون فرصة للظهور بلا مؤهلات والحل ليس في إغلاق المنصات وإنما في إعادة الاعتبار للمعايير.
أن نعرف من نتعامل معه ومن نعطيه صفة الصحفي ومن نمنحه ثقتنا ومن نسمح له أن يتحدث باسم المهنة.
فالإعلامى الحقيقي لا يحتاج إلى أن يقول عن نفسه «أنا إعلامي» كل خمس دقائق يكفي أن تتحدث أعماله عنه.
والصحفي الحقيقي لا يبيع كلمته مقابل وجبة ولا يستبدل احترام المهنة بفاتورة ولا يجعل من «اللقمة» معيارا لقيمة الرسالة.
رحم الله زمنا كانت فيه الكلمة مسؤولية وكان اسم الصحفي شهادة ثقة وحفظ الله ما تبقى من المهنة من زمن أصبح فيه بعض الناس يبحثون عن الشهرة قبل أن يبحثوا عن المعرفة وعن اللقمة قبل أن يبحثوا عن الحقيقة.
فإذا كانت الصحافة قد صنعت هيكل وبهاء الدين ونافع ورجب و سعدة ومحسن والانصارى وابوكريشة والحيوان وزهيرى وغيرهم من الكبار فإن السؤال اليوم ليس أين ذهب الكبار؟
السؤال الأصعب ماذا فعلنا نحن بالمهنة حتى أصبح مجرد امتلاك صفحة كافيا عند البعض ليضع نفسه في مقام أصحابها؟








