تحقيق احمد عسله
هناك ملفات لا يجوز أن تنتهي عند حدود الشكوى ولا يصح أن تظل أسيرة المكاتبات المتبادلة مهما تعددت الجهات التي مرّت عليها ومهما اختلفت التفسيرات التي أحاطت بها فحين تتراكم الأسئلة حول حقوق مالية وتأمينية لعاملين أفنوا سنوات من أعمارهم في العمل يصبح واجب المؤسسات أن تنتقل من مجرد تلقي المطالبات إلى فحصها ومن فحصها إلى إعلان النتائج ومن إعلان النتائج إلى اتخاذ ما يلزم قانونا.
وهنا نصل إلى المحطة العشرين من سلسلة التحقيقات الصحفية ابتى سرت فيها بسستم معين تناولت فيها ملف العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف بعد أن فتحنا أبوابا متعددة للنقاش طبيعة المستحقات التي يطالب بها العاملون والاشتراكات التي يقولون إنهم سددوها والمذكرات والمكاتبات التي يستندون إليها وتعدد الجهات التي تتوزع لديها المستندات والفارق بين المزايا التأمينية التي يتحدث عنها أصحاب الملف والأسئلة المتعلقة بالأرصدة والاحتياطيات فضلا عن المقارنة التي يطالبون بإجرائها مع حالات أخرى يرون أنها قد تكون مماثلة.
لم يكن الهدف من هذه السلسلة إصدار أحكام مسبقة على جهة أو مسؤول ولم يكن المقصود تحويل روايات أصحاب المطالبات إلى حقائق نهائية قبل التحقق منها وإنما كان الهدف أن تتحول الأسئلة المتفرقة إلى ملف متكامل وأن تجد مطالب العاملين طريقها إلى مراجعة مؤسسية جادة وأن تكون النتيجة النهائية مستندة إلى القانون والوثائق والحسابات لا إلى الانطباعات أو الوعود المفتوحة.
والآن بعد عشرين محطة صحفية لم يعد السؤال هل توجد مطالبات؟ بل أصبح ما الخطوة العملية التي ستنقل هذه المطالبات إلى نتيجة واضحة ومعلنة؟
أولًا قانون نقل الأصول لا يغني عن مراجعة الحقوق
شكّل القانون رقم 13 لسنة 2007، المتعلق بإلغاء هيئة كهربة الريف ونقل أصولها إلى شركات نقل وتوزيع الكهرباء، محطة مهمة في إعادة تنظيم قطاع الكهرباء. لكن إعادة التنظيم الإداري، مهما كانت ضرورتها، لا تعفي الجهات المعنية من مراجعة المراكز القانونية والمالية والتأمينية للعاملين الذين شملهم النقل، وفق النصوص واللوائح والقرارات التي تنطبق على كل حالة.
فالموظف الذي انتقل من جهة إلى أخرى لا ينبغي أن يظل سنوات يبحث عن إجابة تتوزع بين ملفات الموارد البشرية والشؤون القانونية والإدارات المالية وصناديق التأمين والجهات صاحبة الاختصاص.
وإذا كان انتقال العاملين قد ترتب عليه تغير في جهة العمل أو في آليات إدارة بعض الالتزامات، فإن المطلوب هو تحديد الجهة التي آلت إليها كل مسؤولية، والأساس القانوني الذي يحكمها، والوثائق التي تثبت ما تم تنفيذه بالفعل.
أما الحقوق التي يطالب بها العاملون، فلا يجوز افتراض ثبوتها جميعًا قبل فحص مستنداتها، كما لا يجوز رفضها إجمالًا من دون مراجعة أسبابها. فالموقف الصحيح يبدأ من المستند وينتهي إلى قرار مسبب يوضح لكل صاحب مطالبة ما ثبت له، وما لم يثبت، ولماذا.
وهذا هو الفارق بين إدارة ملف شائك وإغلاقه إداريًا، وبين حسمه حسمًا حقيقيًا يطمئن إليه أصحاب الشأن.
ثانيا لجنة واحدة تجمع ما تفرق بين الجهات
أول خطوة مطلوبة هي تشكيل فريق عمل رسمي محدد الاختصاصات، يضم ممثلين عن الجهات المعنية بحسب طبيعة الملف، ومن بينها الشركة القابضة لكهرباء مصر وشركات الكهرباء التي انتقل إليها العاملون، والجهات المسؤولة عن إدارة النظام التأميني محل المطالبة، مع الاستعانة بالخبرات القانونية والمحاسبية والاكتوارية المستقلة عند الحاجة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تشكيل لجنة جديدة تضيف خطابا إلى الخطابات السابقة وإنما بلجنة لديها تكليف مكتوب وصلاحية طلب المستندات، ومسؤولية إعداد تقرير نهائي وموعد محدد لتقديم نتائجها.
ويجب أن يبدأ عملها بحصر المطالبات وتصنيفها لأن الملف قد يضم أكثر من نوع من الحقوق ولكل نوع مستنداته وقواعده وطريقة حسابه. كما ينبغي أن تحدد اللجنة، منذ البداية ما إذا كانت كل مطالبة فردية أم جماعية، وما إذا كانت تستند إلى لائحة أو اتفاق أو قرار أو حكم قضائي.
ومن الضروري كذلك أن يكون لكل جهة ممثلة في اللجنة مسؤول اتصال معلوم حتى لا تضيع المستندات بين المكاتب ولا يعود العامل إلى نقطة البداية كلما طلب معرفة موقفه.
إن وجود جهة واحدة تنسق الفحص لا يعني بالضرورة نقل الاختصاص القانوني من مؤسسة إلى أخرى لكنه يضمن أن تعمل الجهات المختصة داخل مسار مشترك وأن تُجمع الإجابات في نتيجة واحدة بدلا من أن يظل كل طرف يجيب عن جزء من السؤال.
ثالثا ملف مستندات موحد.. لا روايات متفرقة
لا يمكن الوصول إلى نتيجة سليمة من دون استكمال ملف المستندات الأصلي. ولهذا ينبغي أن تبدأ المراجعة بجمع الوثائق التي تحدد حقوق العاملين والتزامات الجهات، ومن أهمها
النصوص القانونية والقرارات التي نظمت إلغاء الهيئة ونقل الأصول والعاملين.
قرارات نقل العاملين وبيانات تواريخ انتقالهم والجهات التي آلوا إليها.
لوائح صناديق التأمين أو المزايا الإضافية التي كانت سارية في الفترات محل المطالبة، مع تعديلات كل لائحة وتواريخ اعتمادها.
الاتفاقات والمذكرات التي يستند إليها العاملون، مع التحقق من توقيعاتها وصفة موقعيها ومدى اعتمادها ونطاق سريانها.
كشوف المرتبات والاشتراكات المسددة، وما يثبت توريدها إلى الجهة أو الصندوق المختص.
كشوف حساب المستحقات التي صُرفت عند انتهاء الخدمة، والأساس الذي احتُسبت على أساسه.
الأحكام القضائية التي يقدمها أصحاب المطالبات، مع بيان منطوقها وأسبابها ونهائيتها وما تم بشأن تنفيذها.
المكاتبات الرسمية المتبادلة بين الجهات على أن تُقرأ في سياقها الكامل لا في صورة مقتطفات منفصلة عن موضوعها وتاريخها.
ويجب التمييز بين المستند الأصلي والصورة المتداولة، وبين المذكرة التي تعبر عن رأي أو مقترح والقرار الذي اعتمد التزامًا محددًا. كما يجب التحقق من أن كل وثيقة كانت نافذة وقت نشوء الحق، وأنها تنطبق على الفئة التي تستند إليها.
فالمستند لا تكتمل قيمته بمجرد وجوده، وإنما بما يثبته من واقعة أو التزام أو إجراء، وبمدى سلامة نسبته واعتماده وانطباقه على الحالة محل البحث.
رابعا حسم المطالبتين التأمينيتين كل على حدة
من أبرز ما يطرحه العاملون السابقون بهيئة كهربة الريف الحديث عن مستحقات يقولون إنها تتضمن ميزة تعادل خمسين شهرًا على أساس الأجر الشامل الأخير، وميزة أخرى تعادل اثني عشر شهرًا على أساس الأجر الأساسي الأخير.
وهذه الأرقام تمثل مطالبات يتعين الرجوع بشأنها إلى النصوص واللوائح والاتفاقات الحاكمة، ولا يصح التعامل معها باعتبارها مستحقات ثابتة لجميع العاملين قبل التحقق من شروط الاستحقاق وطريقة الحساب.
ولذلك فإن اللجنة المقترحة مطالبة بإعداد دراسة مستقلة لكل ميزة، تتضمن الإجابة عن أسئلة محددة
ما النص الذي أنشأ الميزة؟ ومن الفئات التي يسري عليها؟ وما شروط استحقاقها؟ وما الأجر الذي يُتخذ أساسًا للحساب؟ وما مدة الاشتراك المطلوبة؟ وهل طرأت تعديلات على اللائحة أو على طريقة الحساب؟ وما أثر تاريخ نقل العامل أو تاريخ انتهاء خدمته؟ وهل توجد قرارات أو أحكام تتعلق بالحالة نفسها؟
وفيما يتعلق بمطالبة الخمسين شهرا ينبغي فحص أساس احتساب الأجر الشامل، والفترات التي سُددت عنها الاشتراكات، ومدى وجود نصوص تنظم أثر الزيادات التي طرأت على الأجر، وكيفية معالجة هذه الزيادات في التسوية النهائية.
أما مطالبة الاثني عشر شهرا فيجب بحثها على نحو مستقل، بما في ذلك شروط استحقاقها وطريقة احتسابها، والفترة التي تغطيها الاشتراكات، وأي تعديلات أو قرارات أثرت في تطبيقها.
والغاية هنا ليست افتراض أن المطالبتين ثابتتان أو متطابقتان في أساسهما، بل منع الخلط بينهما، وضمان أن تحصل كل واحدة على مراجعتها القانونية والمحاسبية الخاصة.
فإذا ثبت الاستحقاق وجب تحديد قيمته والمستفيدين منه وفق القواعد المعمول بها. وإذا لم يثبت، وجب توضيح السبب والنص الذي استندت إليه الجهة في قرارها.
خامسًا.. الاشتراكات لا تُراجع بالتقدير.. بل بالمطابقة الحسابية
يقول العاملون إنهم سددوا اشتراكات دورية وإنهم يرون اختلافًا بين ما اقتُطع من أجورهم وبين الأساس الذي احتُسبت عليه بعض المستحقات عند انتهاء الخدمة.
وهذه نقطة لا يجوز حسمها بتبادل الاتهامات أو التقديرات وإنما بمطابقة ثلاثة مسارات متكاملة
المسار الأول كشوف الأجور. للتحقق من المبالغ التي اقتُطعت من كل عامل، ونسبة الاشتراك، والأجر الذي حُسبت عليه، والفترة الزمنية التي شملتها الاقتطاعات.
المسار الثاني سجلات التوريد والحسابات. للتحقق من وصول الاشتراكات إلى الجهة المختصة، وتسجيلها في الحسابات الصحيحة، ومعالجة أي فروق أو تسويات.
المسار الثالث قواعد الاستحقاق. لتحديد العلاقة بين الاشتراكات والمزايا التأمينية التي تنص عليها اللائحة، وما إذا كانت طريقة احتساب المستحقات النهائية تتفق مع القواعد المعتمدة.
ولا يكفي أن تظهر الاقتطاعات في مفردات مرتب العامل وحدها لإثبات كل عناصر الاستحقاق، كما لا يجوز تجاهلها عند فحص الحسابات. المطلوب هو مطابقة شاملة تربط بين ما اقتُطع، وما وُرّد، وما استحق وفق النظام المنطبق.
وإذا ظهرت فروق، فيجب تحديد طبيعتها: هل هي فروق تسجيل؟ أم توريد؟ أم حساب؟ أم اختلاف في تفسير القاعدة التأمينية؟ فلكل نوع معالجة مختلفة، ولا يجوز دمجها جميعًا في نتيجة عامة لا تفسر شيئا.
وهنا تبرز أهمية المراجعة المحاسبية المستقلة التي تستطيع أن تضع الأرقام في سياقها، وتحدد مواضع الاتفاق والاختلاف، وتقدم نتيجة قابلة للمراجعة والتحقق.
سادسًا.. الدراسة الاكتوارية عند الحاجة أداة للحسم لا وسيلة للتأجيل
إذا أظهرت المراجعة أن الفصل في بعض المطالبات يحتاج إلى تقدير الالتزامات المستقبلية أو قياس أثر المزايا على الصندوق أو تحديد بدائل مالية، فينبغي الاستعانة بخبير اكتواري مؤهل، مستقل في عمله، واضح المنهج، ومحدد المسؤولية.
لكن الدراسة الاكتوارية لا ينبغي أن تتحول إلى عنوان جديد للتأجيل، ولا أن يُطلب من الخبير أن يجيب عن سؤال قانوني لا يدخل في اختصاصه. فهناك فرق بين تحديد ما إذا كان الحق قد نشأ وفق القانون أو اللائحة، وبين تقدير أثر هذا الحق ماليًا على الصندوق أو الجهة المسؤولة.
لذلك يجب أن يسبق الدراسةَ تحديدٌ واضح للمسائل القانونية التي حُسمت، والمسائل الحسابية التي تحتاج إلى مراجعة والافتراضات التي سيعتمد عليها الخبير.
كما ينبغي أن يتضمن التكليف أسئلة محددة: ما الالتزامات المحتملة وفق كل سيناريو قانوني؟ وما البيانات اللازمة للحساب؟ وما مدى اكتمال هذه البيانات؟ وما الافتراضات التي قد تؤثر في النتيجة؟ وما أثر كل بديل مالي إذا كان القانون يسمح بأكثر من طريقة تنفيذ؟
ويجب أن تُعلن الجهة المختصة خلاصة النتائج في الحدود التي يسمح بها القانون، مع الحفاظ على سرية البيانات الفردية، حتى لا تصبح عبارة «الدراسة الاكتوارية» كلمة يتكرر تداولها من دون أن يعرف العاملون ما الذي تبحثه، ومتى تنتهي، وما القرار الذي سيُبنى عليها.
فالدراسة الجيدة لا تستبدل القرار، وإنما تمده بالأرقام التي يحتاج إليها ليكون سليمًا وقابلًا للتنفيذ.
سابعا مقارنة الحالات الأخرى.. لا مساواة بلا تحقق ولا اختلاف بلا تفسير
أشار العاملون خلال عرض مطالبهم إلى حالات يقولون إنها لموظفين انتقلوا من جهات أخرى إلى شركات الكهرباء، ويرون أنها قد تكون مفيدة في فهم كيفية تطبيق بعض النظم التأمينية.
وهذه المقارنة تستحق الفحص، لكنها يجب أن تُجرى وفق منهج واضح يراعي اختلاف اللوائح وتواريخ النقل وطبيعة الاشتراكات والقرارات التي أنشأت المزايا.
فلا يكفي أن يعمل موظفان في قطاع واحد كي تتطابق حقوقهما، كما لا يجوز افتراض اختلاف المراكز القانونية لمجرد أن الموظفين جاءوا من جهتين مختلفتين.
والمطلوب هو إعداد جدول مقارن يوضح لكل حالة الجهة الأصلية وتاريخ النقل والنظام التأميني، واللائحة السارية ونسبة الاشتراكات وطريقة حساب الميزة، والسند الذي صُرفت بموجبه.
ثم تأتي النتيجة هل الحالات متطابقة قانونيًا؟ وهل الاختلاف في المعاملة مبرر بنص أو ظرف موضوعي؟ وهل توجد حالات تستوجب مراجعة تطبيق القواعد؟
وإذا ثبت اختلاف مشروع، وجب شرحه للعاملين. وإذا ثبت تماثل المراكز القانونية مع اختلاف في التطبيق، وجب فحص أسباب هذا الاختلاف واتخاذ ما يلزم وفق القانون.
بهذا فقط تصبح المقارنة وسيلة للعدالة، لا أداة لإطلاق أحكام عامة على حالات لم تُفحص مستنداتها.
ثامنا جدول زمني معلن.. حتى لا تصبح عبارة «قيد الدراسة» نهاية الطريق
إن أكثر ما يرهق أصحاب المطالبات هو أن يسمعوا أن الموضوع محل بحث من دون أن يعرفوا متى يبدأ البحث فعليًا، ومن المسؤول عنه، ومتى تظهر نتيجته.
ولذلك فإن خريطة الطريق المقترحة يجب أن تتضمن جدولًا زمنيًا معلنًا تحدده الجهة المختصة بما يتناسب مع حجم المستندات وتعقيدها مع إمكان تمديده لأسباب معلنة ومحددة، لا بقرارات مفتوحة بلا نهاية.
ويمكن أن يسير العمل وفق المراحل الآتية
المرحلة الأولى الحصر والتسجيل. إنشاء سجل موحد للمطالبات، وتحديد أنواعها، والجهات صاحبة المستندات، ونقاط الاتصال المسؤولة عن كل جزء.
المرحلة الثانية استكمال الوثائق. جمع اللوائح والقرارات وكشوف الاشتراكات والتسويات والمكاتبات والأحكام، والتحقق من اكتمالها وصحتها.
المرحلة الثالثة المراجعة القانونية والمحاسبية. تحديد النصوص المنطبقة، ومطابقة الاشتراكات، وإعادة فحص أسس الحساب، مع إحالة المسائل التي تتطلب خبرة متخصصة إلى أهلها.
المرحلة الرابعة إخطار أصحاب المطالبات. بيان ما ثبت من مستنداتهم، وما ينقص الملف، وما إذا كانت هناك حاجة إلى وثائق إضافية أو تصحيح بيانات.
المرحلة الخامسة إصدار نتيجة مكتوبة. تتضمن ما انتهت إليه المراجعة، والأساس القانوني والحسابي للنتيجة، وما تقرر بشأن كل فئة أو مطالبة.
المرحلة السادسة التنفيذ والمتابعة. تنفيذ ما يثبت استحقاقه وفق الإجراءات القانونية والمالية، أو بيان مسار التظلم أو التقاضي المتاح إذا بقي خلاف لم يُحسم إداريًا.
ولا يعني هذا الجدول فرض مدة موحدة على كل مطالبة مهما اختلفت ظروفها، وإنما يعني أن تكون لكل مرحلة بداية ونهاية ومسؤول معلوم، وأن يعرف العامل ما الذي تم، وما الذي بقي، ولماذا.
فالمتابعة الجادة لا تُقاس بعدد الاجتماعات أو الخطابات، بل بما أُنجز من خطوات موثقة وما صدر عنها من نتائج.
تاسعا حق العامل في معرفة موقفه.. وحق الجهة في قرار يحميها
إن حسم الملف لا يخدم العاملين وحدهم، بل يخدم المؤسسات أيضًا.
فإذا كانت حسابات الجهة صحيحة، ولوائحها مطبقة على نحو سليم، فإن المراجعة الموثقة تعزز الثقة في قراراتها، وتمنحها مستندًا واضحًا للرد على المطالبات. وإذا ظهر خطأ في حساب أو تطبيق، فإن اكتشافه مبكرًا ومعالجته وفق القانون أفضل من استمرار النزاع وتراكم تكاليفه وآثاره.
كما أن وضوح الإجراءات يحمي المسؤولين الذين يتخذون قراراتهم بناءً على فحص حقيقي، ويمنع أن يتحول الملف إلى سلسلة من المسؤوليات المتبادلة التي لا تنتهي إلى نتيجة.
ومن الضروري أن يتلقى كل صاحب مطالبة ردًا مكتوبًا ومسببا في حدود القواعد المنظمة للملف وحقوق الآخرين. فلا يكفي أن يُقال له إن طلبه رُفض بل يجب أن يعرف الأساس الذي بُني عليه الرفض. ولا يكفي أن يُقال له إن مستحقاته سُويت، بل ينبغي أن يتمكن من فهم طريقة الحساب، والرجوع إلى المستندات التي يجوز له الاطلاع عليها، واتباع طريق التظلم المتاح.
وفي المقابل يجب أن يلتزم مقدمو المطالبات بتقديم البيانات الصحيحة والمستندات المتاحة لديهم، وألا تُعرض الحالات الفردية على أنها أحكام عامة، أو تُنسب إلى جهة مسؤولية لم تثبتها الوثائق.
إن حماية الحقوق وحماية المال العام ليستا طريقين متعارضين؛ بل تلتقيان عند قاعدة واحدة: القرار الصحيح الذي يقوم على سند واضح.
عاشرا إلى وزارة الكهرباء والشركة القابضة والجهات الرقابية
إلى وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، وإلى الشركة القابضة لكهرباء مصر، وإلى شركات الكهرباء والجهات التأمينية والقانونية المختصة، وإلى الجهات الرقابية المعنية كلٌّ في حدود اختصاصه
إن العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف لا يحتاجون إلى أن تتحول مطالبهم إلى قضية مفتوحة بلا نهاية. إنهم يحتاجون إلى مسار رسمي يحدد المسؤولية، ويجمع المستندات، ويفحص كل مطالبة، ويعلن النتيجة بأسبابها.
ولا يعني ذلك التسليم بكل ما يُطرح من أرقام أو تفسيرات، بل يعني إعطاء كل ادعاء فرصة عادلة للتحقق، وكل مستند فرصة للفحص، وكل جهة فرصة لعرض موقفها، ثم إصدار قرار واضح يستند إلى القانون.
وإذا كان الملف يحتاج إلى تدخل من أكثر من مؤسسة، فإن المطلوب تنسيق حقيقي بينها، لا إحالة متكررة من جهة إلى أخرى. وإذا كانت هناك مسائل قانونية خلافية، فلتُحسم من خلال المختصين وبالاستناد إلى النصوص والقرارات النافذة. وإذا كانت هناك فروق حسابية، فلتُراجع بالأرقام. وإذا كانت هناك التزامات ثابتة، فلتُحدد آلية تنفيذها وفق القواعد المعمول بها.
إن المطلوب ليس إعلان نتيجة مسبقة، وإنما إعلان الطريق الذي ستصل من خلاله المؤسسات إلى النتيجة، والالتزام بأن تكون هذه النتيجة مكتوبة ومسببة وقابلة للمراجعة وفق القانون.
الحصيلة النهائية ماذا نطلب بعد عشرين تحقيقا قمنا بنشرة ؟
بعد عشرين محطة من البحث الصحفي في هذا الملف، تتجمع المطالب العملية في سبع نقاط واضحة
أولًا تشكيل فريق عمل رسمي محدد الاختصاصات، يتولى جمع المستندات وتنسيق الفحص بين الجهات المعنية.
ثانيًا إعداد ملف موحد يضم النصوص القانونية واللوائح والاتفاقات وكشوف الاشتراكات والتسويات والأحكام ذات الصلة.
ثالثًا فحص كل ميزة تأمينية على حدة، وعدم الخلط بين المطالبات المختلفة أو افتراض ثبوتها قبل التحقق من شروطها.
رابعًا إجراء مطابقة محاسبية بين الاشتراكات المقتطعة والمبالغ الموردة والمستحقات التي صُرفت، وتفسير أي فروق تظهر في الحسابات.
خامسًا إعداد مقارنة موثقة مع الحالات الأخرى التي يستند إليها العاملون، مع بيان أوجه التشابه والاختلاف القانونية.
سادسًا الاستعانة بخبرة اكتوارية مستقلة إذا اقتضت طبيعة الملف ذلك، على أن يكون التكليف محددًا والنتائج قابلة للفحص.
سابعًا إعلان جدول زمني للمراجعة، وإخطار أصحاب المطالبات بنتائج فحص ملفاتهم، وإصدار قرارات مكتوبة ومسببة، وتنفيذ ما يثبت استحقاقه وفق القانون.
هذه ليست أحكامًا على جهة بعينها، ولا تعني أن كل مطالبة صحيحة بالضرورة. إنها خريطة طريق لإنهاء الغموض، وتحويل النزاع من مساحة الروايات المتعارضة إلى مساحة الوثائق والقواعد والنتائج.
كلمة الختام لا نغلق الملف الصحفي قبل أن نفتح باب الإجابة
يا أصحاب القرار إن الصحافة حين تفتح ملفًا طويلًا لا تكون غايتها أن تزيد الضجيج حوله وإنما أن تمنح الأسئلة التي لم تجد إجابة مساحة عادلة وأن تضع أمام المسؤولين ما يستحق الفحص وأن تتابع حتى تتضح الحقيقة.
وقد انتهت هذه السلسلة إلى مجموعة من الأسئلة التي لا ينبغي أن تظل معلقة
ما الحقوق التي تنص عليها اللوائح؟
وما الاشتراكات التي سُددت فعلًا؟
وكيف حُسبت المستحقات؟
وما طبيعة الاتفاقات التي يستند إليها العاملون؟
وهل توجد حالات مماثلة تكشف عن اختلاف في التطبيق؟
ومن الجهة المسؤولة عن جمع الصورة كاملة وإعلان النتيجة؟
لا نملك من موقعنا الصحفي أن نصدر حكما نهائيا وباتا في نزاع تأميني أو مالي لم تُعرض كل مستنداته على الجهات المختصة.
لكننا نملك أن نطالب بالفحص وأن نسأل عن الأساس القانوني وأن نضع أمام الرأي العام أهمية الوصول إلى نتيجة واضحة لا تترك أصحاب المطالبات في انتظار مفتوح.
فالصحافة ليست محكمة لكنها تستطيع أن تضيء الطريق إلى السؤال الصحيح.
والجهات المختصة ليست مطالبة بتبني كل ما يُقال لكنها مطالبة بأن تفحص ما يقدم إليها وأن ترد على المطالبات بردود مسببّة وأن تتيح لأصحاب الشأن معرفة موقفهم وفق القانون.
عشرون تحقيقا لا تعني أن القضية حُسمت لكنها تعني أن الأسئلة جُمعت وأن خريطة الطريق أصبحت واضحة وأن الخطوة التالية يجب أن تكون للمستندات والجهات المختصة والقرار المسؤول.
إن العامل الذي أمضى عمره في العمل لا يريد أن يعيش بقية سنواته أسير سؤال لا يعرف إجابته.
ولا تريد المؤسسة أن يظل ملف مالي أو تأميني مفتوحا بلا نهاية وبين الطرفين طريق واحد مراجعة عادلة، وشفافية في الإجراءات وقرار يستند إلى الدليل.
فإن ثبت الحق فليأخذ طريقه إلى التنفيذ وفق القانون وإن لم يثبت فليعرف صاحبه الأسباب بوضوح وإن احتاج الملف إلى استكمال أو مراجعة إضافية فليكن ذلك ضمن مسار معلوم لا يضيع فيه الوقت ولا تتوه فيه المسؤولية.
تلك هي خلاصة السلسلة وتلك هي الرسالة الأخيرة لا نطالب بحكم مسبق، بل بتحقيق مكتمل لا نطلب مجاملة بل تطبيقا صحيحا للقانون ولا نريد أن تبقى المطالبات حبيسة المكاتب بل أن تصل إلى قرار مكتوب يضع كل سؤال أمام إجابته.
وحتى تتحقق هذه الغاية يظل ملف العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف ملفا يستحق المتابعة المهنية لا بالتشهير ولا بإطلاق الاتهامات وإنما بالمستندات والحقائق والمساءلة المسؤولة واحترام القانون.
أحمد عسله








