ليست كل البطولات تُصنع في ملاعب الكرة وليست كل منصات التتويج تُضاء بأضواء الشهرة فهناك بطولات تصنعها العقول وتكتب أمجادها صفحات الكتب ويرفع راياتها أطفال لم يتجاوزوا الحادية عشرة من أعمارهم لكنهم أدركوا مبكرا أن الطريق إلى المستقبل لا يُعبَّد بكثرة ما نملك وإنما بعمق ما نعرف وسعة ما نقرأ وقدرتنا على أن نفكر ونبدع ونحلم.
إنها ميار محمد رجب عثمان ابنة برج البرلس وتلميذة المدرسة الحكومية والبطلة المصرية التي جعلت من الكتاب جناحين ومن القراءة جسرًا عبرت به إلى العالمية.
طفلة في الحادية عشرة من عمرها لم تحتج إلى مدرسة دولية ولا إلى مصروفات بالدولار ولا إلى مظاهر الوجاهة التعليمية وإنما احتاجت إلى عقل متعطش للمعرفة وبيئة تؤمن بالموهبة وإرادة تعرف أن الكتاب ليس أوراقا تُقلَّب وإنما عوالم تُكتشف وعقول تُبنى ومستقبل يُصنع.
قرأت أكثر من 70 كتابا وخاضت منافسة عالمية في تحدي القراءة العربي لتتوج بطلة على مستوى العالم متقدمة على ملايين المشاركين من عشرات الدول وفق الأرقام المعلنة عن المسابقة وتحصد جائزة مالية قدرها نصف مليون درهم.
وعلى منصة التكريم لم تكن تتحدث باسم نفسها وحدها بل كانت تحمل مصر في قلبها وهي تعبر عن اعتزازها بتمثيل وطنها مستحضرة أرض المآذن والأهرامات.
سبع دقائق من التصفيق استقبلت هذه الصغيرة لكنها في الحقيقة لم تكن تحية لطفلة فحسب بل كانت تحية لعقل عربي قرر أن يقرأ ولوطن يستحق أن يكون أبناؤه في مقدمة العالم علما وثقافة وإبداعا.
ولكن دعونا نتوقف أمام الحكاية قليلا فالأجمل من الجائزة هو السؤال الذي تطرحه علينا.
كيف استطاعت طفلة من مدرسة حكومية أن تصل إلى ما لم يصل إليه كثيرون ممن أُتيحت لهم إمكانات تعليمية ومادية أكبر؟
أليست هذه الحكاية دليلا جديدا على أن الموهبة لا تسأل عن عنوان المدرسة وأن العبقرية لا تقف على بوابة مدرسة دولية وأن الاستثمار الحقيقي ليس دائما في المباني الفاخرة ولا الشاشات الحديثة وإنما في عقل يجد من يفتح له أبواب المعرفة؟
يا سادة نحن لا ينقصنا أطفال أذكياء ولا ينقصنا أصحاب مواهب وإنما نحتاج إلى ثقافة تكتشف هذه المواهب قبل أن تطمرها زحمة المناهج وتحتضنها قبل أن تسرقها الشاشات، وتمنحها الكتاب قبل أن تجعل الهاتف رفيقها الوحيد.
وهنا يأتي السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن وزارة التربية والتعليم أين مشروع القراءة المستدام داخل مدارسنا بل أين مشروع القراءة للجميع لرائدته السيدة سوزان مبارك ؟
لماذا لا يصبح لكل طالب رصيد سنوي من الكتب الخارجية المناسبة لعمره يقرأها ويناقشها ويلخصها ويعرض ما تعلمه منها؟
لماذا لا نخصص في كل مدرسة وقتا أسبوعيا للقراءة الحرة ومكتبة حقيقية نابضة بالحياة ومسابقات منتظمة تكتشف أصحاب العقول المتميزة؟
لماذا لا نعيد ترتيب أولوياتنا فنخفف من ثقافة الحفظ والتلقين ونمنح الفهم والتحليل والخيال والبحث مساحة أكبر في العملية التعليمية؟
إن المطلوب ليس إضافة أعباء جديدة إلى الطالب وإنما إعادة اكتشاف متعة التعلم وتحويل القراءة من واجب ثقيل إلى عادة محببة ومن نشاط موسمي إلى ثقافة يومية.
وأنا هنا أتحدث عن تجربة تعليمية تستحق التأمل
ففي المدارس الألمانية والفنلندية مثلا لديهم برامج ومناهج للقراءة تتضمن كتبا خارجية كل عام بهدف تنمية مهارات القراءة وتوسيع المدارك وتشجيع الطفل على أن يصادق الكتاب لا أن يراه مجرد أداة للامتحان.
ياسادة لسنا مطالبين بنقل تجربة دولة كما هي ولكننا مطالبون بأن نتعلم من كل تجربة ناجحة وأن نبحث عما يناسب مدارسنا وإمكاناتنا وواقعنا.
وهناك نقطة فارقة ففي زمن الذكاء الاصطناعي تصبح القراءة ضرورة وليست رفاهية فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم المعلومة لكن الإنسان يحتاج إلى عقل يعرف كيف يسأل وكيف يتحقق وكيف يربط بين الأفكار وكيف يميز الصحيح من الزائف وكيف يحول المعرفة إلى قرار وإبداع.
والقراءة لا تمنح الطفل كلمات جديدة فحسب بل توسع خياله وتدربه على التركيز وتفتح أمامه نوافذ التفكير وتمنحه قدرة أكبر على التعبير والفهم والحوار.
إننا أمام معركة حقيقية بين كتاب يفتح العقل وشاشة قد تسرق الوقت والانتباه إذا تُركت بلا ضوابط.
ولا أقول إننا نحارب التكنولوجيا بل نحارب أن تتحول إلى بديل عن التفكير وأن يصبح الطفل مستهلكا للمقاطع القصيرة عاجزا عن مصاحبة كتاب طويل أومتابعة فكرة حتى نهايتها.
والبداية ليست في الوزارة وحدها بل تبدأ من البيت.
اقرأ لطفلك كل ليلة ولو صفحات قليلة
ضع الكتاب في متناول يده واجعله هدية في عيد ميلاده وشجعه عندما ينهي قصة واسأله عما أعجبه فيها ودعه يحكي لك ما فهمه وخصصوا في المنزل وقتًا تتوقف فيه الشاشات قليلا وتبدأ فيه رحلة جديدة مع المعرفة.
لا تسأل طفلك فقط كم درجة حصلت عليها؟ بل اسأله أيضا ماذا قرأت اليوم؟ وماذا تعلمت؟ وما الفكرة التي غيرت طريقة تفكيرك؟
فربما لا يكون بين يديك اليوم بطل عالمي لكنك تزرع في بيتك عقلا قادرا على أن يصبح عالما أو طبيبا أو مهندسا أو أديبا أو قائدا يضيف إلى وطنه.
أما ميار هانم فلا ينبغي أن تنتهي قصتها عند صورة التتويج أو خبر الفوز يجب أن تتحول إلى نموذج يُروى في مدارسنا وأن تُعرَّف بها الأجيال وأن تُكرَّم بما يليق بإنجازها وأن نفتح أمامها وأمام كل طفل موهوب أبوابا أوسع للمعرفة والرعاية والاستمرار.
وأقترح أن تطلق مدارسنا مبادرة بعنوان «مدرسة تقرأ.. مصر تقرأ» تكون فيها لكل مدرسة قائمة كتب سنوية ومسابقة شهرية ومكتبة نشطة وتكريم حقيقي للطلاب الذين يجعلون القراءة أسلوب حياة.
وأتمنى أن تتبنى المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية مبادرة أخرى لا تقل أهمية «كتاب لكل طفل موهوب» لاكتشاف الأطفال الذين يقرأون والاحتفاء بهم وإهدائهم الكتب التي توسع عوالمهم وتشجيعهم على مواصلة الطريق.
وأنا أدعو كل أب وأم وكل معلم ومعلمة وكل مدير مدرسة وكل من يعرف طفلا يعشق القراءة أن يعرفنا به وأن يحكي لنا قصته وأن يشاركنا إنجازه حتى نسلط الضوء على هؤلاء الصغار الذين يصنعون مستقبلا مختلفا في هدوء بعيدا عن صخب الشهرة.
نريد أن نعرف أسماءهم وأن نسمع حكاياتهم وأن نحتفي بهم وأن نهديهم الكتب وأن نقول لهم إن المجتمع يرى عقولهم ويقدر اجتهادهم.
فربما تكون بين مقاعد مدرسة حكومية في قرية مصرية ميار أخرى وربما يكون في فصل متواضع عقل ينتظر من يكتشفه وربما يكون بين أيدينا عالم صغير لم يمنحه أحد بعد الكتاب الذي ينتظره.
يا سادة الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من أبراج ولا بما تملكه من ثروات وإنما بما تبنيه داخل عقول أبنائها.
والمدرسة التي تخرج طفلا يحب القراءة تضع حجر أساس في بناء أمة تعرف كيف تفكر وكيف تبدع وكيف تنافس.
ميار هانم لم تفز بنصف مليون درهم فقط لقد منحتنا درسا أثمن من الجائزة وأعادت طرح سؤال يستحق أن يسمعه كل بيت وكل مدرسة وكل مسؤول ماذا نفعل لكي يصبح لدينا مليون ميار؟
فلنفتح الكتب قبل أن تُغلق العقول ولنمنح أبناءنا المعرفة قبل أن تبتلعهم الشاشات.
ولنجعل من كل طفل قارئا مشروع عالم ومن كل كتاب نافذة أمل ومن كل مدرسة مصنعا للعقول لا مخزنا للمعلومات.
فيا ميار شكرا لأنك ذكرتينا بأن مصر لا تزال تملك كنوزها الحقيقية في عقول أبنائها.
ولعل أجمل تكريم لكِ أن يقرأ بعدك آلاف الأطفال وأن تصبح حكايتك بداية حكايات جديدة.
اقرأوا يا أولادنا فالأمم التي تقرأ لا تقف طويلا أمام أبواب المستقبل بل تصنع مفاتيحه…








