كتب احمد عسله
الأستاذ الدكتور محمود طه لا يكتفي بأن يكون طبيبا يعالج المرض بعد وقوعه وإنما يبدو في كثير من أطروحاته وكأنه يريد أن يصل إلى المكان الذي تبدأ فيه الكارثة قبل أن تصل إلى المستشفى.
وهذه المرة لا يتحدث عن مرض نادر ولا عن عملية جراحية معقدة وإنما عن شيء أخطر لأنه أصبح عند البعض سلوكا عاديا يتكرر أمام أعيننا فحين يتحدث الأستاذ الدكتور محمود مصطفى طه عميد كلية الطب بجامعة الزقازيق ورئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية عن بعض السلوكيات التي يراها في المجتمع فالأمر لا يتعلق هذه المرة برأي عابر أو نصيحة تقليدية إنه يتحدث من ذاكرة طبيب رأى النهاية التي لا يراها أصحاب البداية.
رأى لحظة الفرح وهي تتحول إلى مأساة
ورأى «الهزار» وهو يتحول إلى عاهة
ورأى الاستعراض وهو ينتهي إلى نعش
ورأى في غرفة الطوارئ ما لم يخطر ببال الذين كانوا يضحكون قبل دقائق.
لهذا جاءت رسالته صريحة وربما قاسية بالقدر الذي تستحقه بعض السلوكيات
نتمنى أن يتوقف الحمقى قليلا قبل أن تجعلهم لحظة تهور نادمين بقية العمر.
في الأفراح هناك من يعتقد أن إطلاق الخرطوش جزء من مظاهر الاحتفال وكأن الطلقة مجرد صوت يعلن الفرح وينتهي الأمر.
لكن الطبيب يعرف أن الأمر ليس كذلك
الخرطوش لا يخرج في شكل طلقة واحدة يمكن التنبؤ بمسارها وإنما تتناثر منه المقذوفات وقد تصل إلى إنسان لم يكن طرفا في الاحتفال من الأساس.
الأكثر إيلاما أن الدكتور محمود طه يستحضر حالة شابة تبلغ من العمر 20 عاما وكانت حاملا انتهت إصابتها إلى فقدان البصر تماما.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد من أطلق النار؟ السؤال الحقيقي لماذا نحتاج أصلا إلى إطلاق النار حتى نفرح؟
وهنا فقط ينبغي أن نسأل أي فرحة تلك التي تحتاج إلى أن يدفع إنسان ثمنها بعينيه؟
ثم تأتي حكاية أخرى من القرى سباقات الموتوسيكلات.
شباب يندفعون وحماس يعلو وجمهور يتابع وربما هواتف تصور المشهد والجميع ينتظر لحظة الفوز ثم تأتي ثانية واحدة لا تمنح أحدا فرصة لإعادة المشهد.
في إحدى الوقائع التي يذكرها الدكتور محمود طه شارك سبعة أشخاص في السباق فلقي ثلاثة منهم حتفهم قبل الوصول إلى المستشفى.
ثلاثة شباب..ثلاثة بيوت.. ثلاث أسر..ثلاثة أحلام انطفأت لأن لحظة الإثارة بدت أهم من قيمة الحياة.
ثم نصل إلى حفلات أعياد الميلاد وضع رأسه في التورتة صوروا المشهد اضحكوا هكذا يبدأ الأمر أحيانا لكن ماذا لو كانت داخل التورتة عصا معدنية؟ هنا يتحول المشهد من صورة للذكرى إلى إصابة قد تغير المستقبل كله فقدان الإبصار في إحدى العينين ونزيف وإصابة بمادة المخ نتيجة حركة ظن أصحابها أنها مجرد مزحة.
أيها الأصدقاء المزاح الذي يترك إنسانا بعين واحدة ليس مزاحا ثم تأتي واحدة من أكثر صور «الهزار» خطورة في الصيف أن يحمل الأصدقاء زميلهم من قدميه ثم يلقوا به في البحر وسط الضحكات.
قد تبدو اللقطة مضحكة في الهاتف لكن المياه الضحلة لا تعرف معنى الضحك ارتطام واحد بطريقة خاطئة قد يؤدي إلى كسر في الفقرات العنقية وشلل رباعي وهنا تنتهي الحفلة..
وتبدأ رحلة أخرى قد تمتد لعشرات السنين.
وهنا بالضبط تكمن قيمة ما يقوله الأستاذ الدكتور محمود مصطفى طه فهو لا ينظر إلى الحادث من زاوية لحظته فقط بل ينظر إلى ما بعد اللحظة لا يرى فقط من سقط بل يرى ما سيحدث لأسرته لا يرى فقط الإصابة بل يرى سنوات العلاج والتأهيل لا يرى فقط العين المصابة بل يرى الحياة التي ستتغير بعد فقدان البصر لا يرى فقط الشاب الذي سقط من الموتوسيكل بل يرى مقعدا سيظل فارغا في بيت كان ينتظر عودته ولهذا فإن كلامه ليس ضد الفرح بل ضد الفرح الذي يحتاج إلى ضحية وليس ضد المزاح بل ضد المزاح الذي قد يحول الصديق إلى مريض دائم وليس ضد الرياضة بل ضد تحويل الطرق والقرى إلى ساحات سباق بلا حساب للعواقب وليس ضد الاحتفال بل ضد أن يصبح الاحتفال تصريحا مؤقتا بإلغاء العقل.
فالفرحة الحقيقية أن يعود الجميع إلى بيوتهم سالمين والصداقة الحقيقية أن تحمي صديقك من نفسه إذا اندفع والرجولة الحقيقية أن تقول: «لا.. ده خطر» حتى لو اتهمك الآخرون بأنك أفسدت المزاح.
والعقل الحقيقي أن يعرف أن هناك أشياء إذا حدثت لا يمكن التراجع عنها بزر «إعادة».
ولعل أجمل ما في مشاهدات الدكتور محمود طه أنها تكشف لنا وظيفة أخرى للطبيب
الطبيب لا يعالج الإنسان بعد إصابته فقط الطبيب يستطيع أحيانا أن ينقذ إنسانا قبل أن يصاب بكلمة صادقة في الوقت المناسب.
فإذا كان المستشفى هو المكان الذي نحاول فيه إنقاذ من وقع في الكارثة فإن الوعي هو المكان الذي نحاول فيه منع الكارثة من الوقوع أصلا.
ومن هنا تأتي الرسالة خففوا اندفاعكم قليلا
فكروا قبل أن تقفزوا توقفوا قبل أن تطلقوا راجعوا أنفسكم قبل أن تتسابقوا ولا تجعلوا كلمة «بهزر» مبررا لفعل قد يدمر حياة إنسان.
لأن هناك إصابات تُشفى وهناك إصابات تترك أثرا وهناك إصابات تقسم حياة الإنسان إلى ما قبل الحادث وما بعده.
تحية للأستاذ الدكتور محمود مصطفى طه عميد كلية الطب بجامعة الزقازيق ورئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية على هذه المشاهدات التي تأتي من قلب المهنة ومن واقع يعرف فيه الطبيب جيدا أن الوقاية ليست أقل أهمية من العلاج.
فربما تكون كلمة واحدة الآن سببا في أن تظل عين مبصرة وقدما قادرة على الحركة وعمودا فقريا سليما وأمًا تحتضن ابنها بدلا من أن تبكيه.
تحية للأستاذ الدكتور محمود طه مرة اخرى الذي لا يكتفي بعلاج الإصابة عندما تصل إلى المستشفى وإنما يحاول أن يمنعها قبل أن تصل فأحيانا تكون أعظم وصفة طبية كلمة تحذير في وقتها وأحيانا يكون إنقاذ إنسان من سرير المستشفى أسهل كثيرا من علاجه بعد أن تقع الكارثة فقط اجعله يتوقف لحظة ويفكر.
نتمنى فعلا أن يتوقف الحمقى قليلا ليس لنفسد عليهم فرحتهم بل حتى لا يأتي اليوم الذي يتمنون فيه لو أنهم توقفوا قبل ثانية واحدة فقط.
يمكننا ان نستخرج مما سبق قاعدة وهى أن الفرحة التي تحتاج مخاطرة ليست فرحة والمزاح الذي يترك عاهة ليس مزاحا.








