*** رحم الله الرئيس محمد أنور السادات سيد الشهداء وأنبل القادة وأصفى الرجال وبطل الحرب والسلام رحم الله رجلا لم يكن يرى مصر وطنا يسكنه وإنما كان يرى نفسه رجلا يسكن في قلب وطن اسمه مصر فحمل اسمها في وجدانه وحمل همَّها فوق كتفيه ومضى بها من مرارة الهزيمة إلى مجد النصر ومن نار المعركة إلى شجاعة السلام.
السادات لم يكن رجلا عابرا في دفتر الرؤساء كان صفحة كاملة من تاريخ مصر بل كان فصلا استثنائيا من فصول المجد المصري.
كان يعرف أن الأوطان لا تُسترد بالأمنيات وأن الأرض التي اغتصبتها القوة لا يعيدها إلا رجل يملك شجاعة القرار وإرادة المواجهة وإيمانا لا يتزحزح بأن مصر قادرة على أن تنهض مهما طال الليل.
وفي أكتوبر العظيم كان السادات على موعد مع التاريخ.
لم يكن السادس من أكتوبر مجرد يومٍ عبر على التقويم كان يوما عبرت فيه مصر نفسها من ضفة الانكسار إلى ضفة الانتصار ومن سؤال «هل نستطيع؟» إلى إجابة مدوية قالتها المدافع والجنود والدماء نعم نستطيع.
كان القرار صعبا وكانت المخاطر هائلة لكن الرجل الذي حمل مصر في قلبه لم يتردد
اتخذ القرار فجاءت ساعة الصفر وعبرت قواتنا المسلحة قناة السويس وسقط خط بارليف الذي حاولوا أن يجعلوا منه أسطورة فإذا به أمام إرادة الجندي المصري مجرد تراب ورمل وأسلاك تنهار أمام الإيمان والعزيمة.
وفي تلك اللحظة لم يعبر الجيش المصري القناة وحدها عبرت مصر معها عبرت كرامتها وعبرت إرادتها وعبر تاريخها كله إلى الضفة الأخرى.
ولهذا فإن الحديث عن السادات في أكتوبر ليس حديثا عن رئيس أصدر قرارا عسكريا فحسب وإنما حديث عن قائد امتلك القدرة على أن يحول الجرح إلى قوة والهزيمة إلى دافع والانتظار إلى قرار والقرار إلى نصر.
وكان السادات سابقا لعصره بالفعل يفكر أبعد مما يراه الآخرون ويقرأ ما وراء اللحظة ويعرف أن السياسة ليست أقل شجاعة من الحرب وأن المحافظة على النصر قد تحتاج إلى شجاعة تفوق شجاعة تحقيقه.
ولهذا خرج من ميادين القتال إلى ميادين السلام دون أن يتخلى عن ثوابت مصر أو يفرط في كرامتها.
ذهب إلى الكنيست في مشهدٍ سيظل واحدا من أكثر مشاهد التاريخ السياسي جرأةً ودهشة.
رئيس دولة عربية يقف في قلب خصومه ويتحدث باسم مصر وباسم السلام وباسم حق الشعوب في أن تعيش آمنة مطمئنة.
لم يكن خطابه هناك خطاب رجلٍ ضعيف يبحث عن تسوية وإنما كان خطاب رجل منتصر يعرف قيمة السلام لأنه عرف قيمة الحرب.
وقف السادات هناك وكأنه يحمل وراءه أهرامات مصر ونيلها وجيشها وشهداءها وكأنه يقول للعالم كله هذه مصر إذا حاربت كانت أمة لا تُكسر وإذا مدت يد السلام مدتها من موضع قوة وكرامة.
ولذلك لم تكن كلماته مجرد عبارات سياسية تُقال ثم تُنسى كانت مرآة لشخصيته خليطا نادرا من الكبرياء الوطني والجرأة والوضوح والإيمان بأن السلام الحقيقي لا يصنعه الخوف وإنما تصنعه الإرادة.
ثم جاء خطاب النصر في ذكرى أكتوبر
ذلك الخطاب الذي لم يكن مجرد احتفال بذكرى معركة وإنما كان احتفالا بعودة الروح إلى أمة كاملة.
كان يتحدث عن أكتوبر وكأنه يتحدث عن مصر كلها عن الجندي الذي حمل روحه على كفه وعن الأرض التي انتظرت أبناءها وعن شعب لم يقبل أن يظل أسيرا لمرارة يونيو.
وهنا تتجلى عبقرية السادات فلم يكن يكتفي بأن يصنع الحدث وإنما كان يعرف كيف يمنحه معناه.
وهذه موهبة القادة الكبار فالقائد الحقيقي ليس من يملك قرارا فقط وإنما من يملك رؤية تجعل من القرار بداية لمرحلة جديدة في حياة وطن.
رحم الله السادات الرجل الذي كان يؤمن أن مصر أكبر من كل أزمة وأبقى من كل عابر وأقوى من كل مؤامرة.
رحم الله رجلا كان يعرف أن مصر ليست مجرد حدود على خريطة وإنما روح وهوية وتاريخ وكرامة.
رحم الله رجلا آمن بأن الوطن لا يُقاس بحجم الأرض وإنما بحجم ما يسكن القلب منه.
لقد رحل السادات لكن بعض الرجال لا يرحلون تماما يبقى صوتهم في ذاكرة الأمة وتبقى قراراتهم علاماتٍ مضيئة على الطريق وتبقى مواقفهم مادة للتاريخ وتبقى سيرتهم سؤالا يتكرر كلما احتاج الوطن إلى رجل يضع مصلحة مصر فوق كل اعتبار
أين السادات؟ والإجابة ليست في البحث عن نسخة من الرجل فالأوطان لا تستنسخ رجالها ولكنها تستطيع أن تنجب في كل عصر رجالا يحملون صفاته الكبرى شجاعة القرار ونبل المقصد ووضوح الرؤية وصلابة الموقف وإيمانا لا يتزعزع بأن مصر تستحق الأفضل.
لذلك فإن أجمل ما يمكن أن نقوله في ذكرى أكتوبر وأصدق ما يمكن أن نهديه لروح السادات ليس أن نكتفي بتمجيد الرجل بل أن نتعلم منه أن نختلف دون أن نهدم أن ننتقد دون أن نطعن في الوطن أن نبحث عن الحل قبل أن نبحث عن المبرر أن نعرف متى تكون الشجاعة في خوض المعركة ومتى تكون الشجاعة في صناعة السلام وأن نفهم أن مصر حين تتعرض للخطر لا تحتاج إلى المتفرجين وإنما تحتاج إلى الرجال.
السادات كان رجلا من هؤلاء الرجال كان ابنا بارا بمصر عاش لها وحارب من أجلها وسعى إلى السلام من أجل مستقبلها ثم رحل شهيدا في يومٍ من أيام أكتوبر وكأن القدر أراد أن يربط اسمه إلى الأبد بالمعركة التي أعادت لمصر كرامتها.
فطوبى لرجل عاش لمصر وطوبى لرجل حمل اسمها في قلبه وطوبى لرجل ترك وراءه وطنا يعرف أن النصر ممكن وأن المستحيل ليس قدرا وأن مصر حين تؤمن بنفسها تستطيع أن تعبر أصعب القنوات.
رحم الله أنور السادات رحم الله بطل الحرب والسلام رحم الله شهيد أكتوبر ورحم الله كل جنديٍ عبر القناة ولم يعد وكل شهيد كتب بدمه صفحة من كتاب النصر.
وفي ذكرى أكتوبر نقولها من القلب مصر ولادة والرجال يرحلون لكن مصر لا ترحل.
ويبقى السادات واحدا من أولئك الذين مروا على أرضها فتركوا فوقها أثرا لا تمحوه الأيام.
يا ليت في كل وطن سادات لا نسخة من السادات ولكن رجلا يحمل الوطن في قلبه
ويضع مصر أولا وفوق كل شيء.
تحيا مصر وتحيا القوات المسلحة المصرية والمجد لشهداء أكتوبر والرحمة لروح أنور السادات
حقا «السادات رجل حمل مصر في قلبه فحملته مصر إلى الخلود»








