حقا إنه لحدث جليل أعاد هندسة الدهشة فى زمن الرقمنة ونحن نطالع عبر الشاشات فوز البطلة المصرية الصغيرة ميار عثمان بجائزة تحدى القراءة العربى
هذا الحدث الذى يشير إلى دلائل عميقة لعل أهمها إن الاستثمار في عقول الأطفال هو الرهان الرابح للمستقبل .
ويُعد فوز الطفلة ميار محمد رجب عثمان بلقب بطل تحدى القراءة العربى فى عام
٢٠٢٦ نموذجا ملهما لشباب الجيل الحالى وبرهانا حيا على أن البيئة المصرية لا تزال ولادة بالنوابغ القادرين على قيادة المشهد الثقافي العربي. إن هذا الإنجاز لا يُحسب للبطلة وأسرتها فحسب بل يضع المؤسسات التعليمية والثقافية أمام مسؤولية وطنية مشتركة لتطوير آليات اكتشاف هذه الطاقات البشرية المتميزة واستثمارها كقوة ناعمة لمصر في محيطها الإقليمى والدولى .
ميار عثمان ليست مجرد طفلة قرأت كتبا وفازت بمسابقة إنها ومضة ضوء تُثبت أن اللغة العربية الفصحى لا تزال حية وقادرة على إشعال شغف الأجيال الجديدة وأن العبقرية المصرية والعربية بخير شريطة أن نمنحها الكتاب ونفسح لها الطريق نحو منصات التتويج .
لعل هذا الحدث القيم يثبت دلالات خفية للمشاهد فوراء كل نابغة قصة غير مرئية لتضحيات أسرية واعية. ومن حالة ميار نجد نموذجا للأسرة المصرية التى قررت الاستثمار في رأس المال الثقافى والرمزى لطفلتها بدلاً من الانجراف وراء الماديات أو الاستهلاك المظهرى الذى لا عائد منه .
لعلها جملة من العوامل المساعدة التى هيأت للطفلة الطريق اقتناء الكتاب وقراءته وتخصيص الوقت لفحصه وتلخيصه ومناقشته وتشجيع الطفلة على مواجهة الجماهير منذ الصغر كل هذه العوامل شكلت مسرّع نمو لموهبتها الفطرية مما جعل الأسرة هنا شريكا أصيلا في صياغة هذا المنجز العالمى .
أكتب هذا المقال بكل فخر واعتزاز لأعلنها صراحة إن وراء كل إنجاز حقيقى دعم نفسى لا يقل أهمية عن الإنجاز نفسه فالنجاح يؤدى إلى نجاح وإذا انسجمت المقدمات مع النتائج فهذا هو عين الجمال .
إن أولى زوايا العمق في حالة ميار عثمان هى جغرافيا المكان فالطفلة تنتمى إلى محافظة كفر الشيخ وتدرس في مدرسة حكومية مدرسة الشهيد حمدي شرابى الابتدائية ففى المنظور السوسيولوجى التقليدى غالبا ما تُربط مراكز التفوق بالمدن الكبرى أو العواصم حيث تتركز الامتيازات الثقافية والمكتبات الضخمة والمدارس الدولية.
لكن ميار أعادت صياغة هذه المعادلة لتثبت أن البيئة الطرفية أو الريفية لم تعد عائقا أمام إنتاج العبقرية إذا ما توفرت العزيمة القرائية والرعاية الأسرية الواعية. لقد حوّلت هذه الطفلة غرفتها الصغيرة في دلتا مصر إلى مركز كونى وقرأت ولخصت بوعي نقدى متحدية العزلة الثقافية الجغرافية ومثبتة أن الفصاحة ليست حكرا على الصالونات الأدبية الكبرى بل تنبت حيثما وُجد الشغف.
إن دلالة الرقم واحد لهذه الطفلة جعلنى أندهش حول وعى الأبناء بدلالة الرقم وترتيبها ضمن المتسابقين معها إنه يعلن ثورة الهوامش على المراكز فالرقم واحد هنا يعني أن الإرادة الواحدة كافية لإعادة رسم خارطة النبوغ وأن الإبداع لا يحتاج إلى عواصم صاخبة ليزدهر بل يكفيه عقل واحد متقد وشغف واحد صادق ليتحول محلها الجغرافى إلى مركز ثقل معرفى يُشار إليه بالبنان فى المحافل الدولية.
تحية من الأعماق لأبناء هذا الوطن العظيم مصر الحبيبة بلد العظماء .
لقد تُرجم هذا الرقم من خانة التقييم إلى طاقة إلهام تسرى فى جسد الجيل الجديد لتؤكد لهم أن الوصول إلى القمة ليس مستحيلاً وأن الخطوة الأولى نحو العلياء تبدأ بكتاب واحد وصفحة واحدة وعزيمة لا تقبل القسمة على اثنين.
أ.د على عبد المنعم حسين أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعة الزقازيق









