في زمنٍ أصبحت فيه معارك الإصلاح الحقيقي مكلفة، ويُحارب فيه كل مسؤول يحاول إعادة الانضباط إلى موقعه، جاءت تجربة مدرسة الزقازيق الثانوية العسكرية بنين لتؤكد أن الدولة المصرية جادة في استعادة هيبة التعليم، وتجفيف منابع الفوضى والنجاح الوهمي، مهما ارتفعت أصوات المشككين أو تجار العواطف على منصات التواصل الاجتماعي.
لقد تحولت نتائج المدرسة هذا العام إلى قضية رأي عام، ليس بسبب تراجع التعليم كما حاول البعض تصويره، وإنما لأن الواقع لأول مرة ظهر بلا تجميل، ولأن لغة الأرقام كشفت حجم التسيب الذي كان يختبئ خلف ستار “النجاح الشكلي”، فكان طبيعيًا أن تشتعل حملات الهجوم ضد الإدارة الجديدة التي قررت أن تقول الحقيقة كاملة دون خوف أو مجاملة.
وفي قلب هذه المعركة وقفت الدكتورة نيفين صفوت، مديرة مدرسة الزقازيق الثانوية العسكرية بنين، بثبات القادة الحقيقيين، لتخوض واحدة من أصعب المواجهات داخل المنظومة التعليمية، بعدما تسلمت المسؤولية في ظروف معقدة وتركة ثقيلة، لكنها اختارت طريق الإصلاح الصعب بدلًا من اللجوء إلى المسكنات المعتادة أو تجميل النتائج على حساب الحقيقة.
لقد أثبتت “نيفين صفوت” أن القيادة لا ترتبط بالنوع وإنما بالكفاءة والقدرة على اتخاذ القرار، وأن تطبيق العدالة على الجميع دون استثناء هو المدخل الحقيقي لبناء جيل يحترم قيمة الاجتهاد والانضباط، فرفضت الضغوط، ولم تنحنِ أمام حملات التشويه، وواجهت كل ذلك بثقة مؤسسة عسكرية عريقة تعرف جيدًا معنى الالتزام وهيبة الدولة.
ويحسب لهذه التجربة أيضًا الدعم الكامل الذي وفره الأستاذ الدكتور محمد رمضان، وكيل أول وزارة التربية والتعليم بالشرقية، الذي أكد عمليًا أن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى مسؤول يمتلك الشجاعة في دعم القيادات الجادة وعدم التخلي عنها تحت ضغط الشائعات أو حملات الاستهداف، فكان سندًا قويًا لكل خطوة تستهدف إعادة الانضباط واحترام القانون داخل المدارس.
كما برز الدور المحوري للدكتور هاني محمد السعيد، مدير إدارة شرق الزقازيق التعليمية، الذي أدار المشهد بعقلية قيادية واعية، واتخذ قرارات جريئة بإعادة هيكلة وتجديد القيادات التعليمية، ليؤكد أن التطوير لا يتحقق بالشعارات وإنما بضخ دماء جديدة تمتلك الإرادة والرؤية.
ولم تكن هذه الملحمة الإدارية لتكتمل دون الجهود المخلصة التي قدمها قيادات مديرية التربية والتعليم بالشرقية، وفي مقدمتهم الأستاذ عبد الرحمن محمد عبد اللطيف وكيل المديرية، والدكتور أحمد عطية غربية مدير التعليم العام، والأستاذ ياسر حمدي مدير التعليم الثانوي المركزي، الذين شكلوا جميعًا جبهة قوية لحماية مشروع استعادة هيبة التعليم وتنفيذ رؤية الدولة في بناء منظومة تعليمية حقيقية.
كما لعب الفريق المعاون بإدارة شرق الزقازيق التعليمية دورًا مهمًا في نجاح التجربة، بقيادة الأستاذ طلعت نصار والأستاذ محمد صبري وكيلي الإدارة، إلى جانب الأستاذ مصطفى خليل مدير التعليم الثانوي، الذين بذلوا جهودًا واضحة في متابعة العملية التعليمية وتذليل العقبات أمام الطلاب والمعلمين.
ويبقى الأستاذ مصطفى إبراهيم، مدير قسم المتابعة وتقويم الأداء، نموذجًا للمسؤول المخلص الذي يعمل في صمت، حيث كان لجهوده الرقابية دور بارز في كشف الحقائق وتقديم صورة دقيقة تدعم متخذي القرار، بما يعكس أهمية المتابعة الجادة في نجاح أي منظومة إدارية.
إن الحقيقة التي حاول البعض تجاهلها أن نتائج هذا العام لم تكن دليل فشل، بل كانت شهادة ميلاد جديدة لمرحلة عنوانها “العدل والانضباط”، فالمجتهد نجح واستحق، ومن أهمل وجد النتيجة الطبيعية لتقصيره، وهي رسالة تربوية عظيمة تؤكد أن التعليم الحقيقي لا يقوم على المجاملات أو الغش أو الضغوط، وإنما على العمل والاجتهاد والمتابعة الأسرية الواعية.
ولعل النماذج الناجحة من الطلاب أثبتت أن النجاح ما زال ممكنًا لمن التزم وحضر واجتهد، وأن الأسرة الواعية تبقى الشريك الأول في صناعة التفوق، بعيدًا عن ثقافة الاتكالية والبحث عن شماعات لتبرير الإخفاق.
وفي النهاية، فإن ما حدث داخل مدرسة الزقازيق الثانوية العسكرية بنين ليس أزمة كما يحاول البعض تصويره، بل خطوة إصلاح حقيقية تستحق الاحترام، ورسالة واضحة بأن زمن النجاح الورقي قد انتهى، وأن الدولة ماضية في بناء تعليم يحترم العقل والجهد والقانون.
كل التحية والتقدير لكل قيادة شريفة اختارت المواجهة بدلًا من الهروب، ولكل مسؤول قرر أن يعيد للمدرسة المصرية هيبتها، ولجميع أبنائنا الطلاب نتمنى التوفيق والنجاح في الدور الثاني، فالمستقبل دائمًا لمن يملك الإرادة ويؤمن أن الاجتهاد هو الطريق الوحيد للنجاح الحقيقي.








