كتب احمد عسله
في دولة المؤسسات والقانون يفترض أن يكون حكم القضاء هو الكلمة الأخيرة وأن تكون الأحكام القضائية النهائية عنوانا للحقيقة وواجبا على الجميع احترامه وتنفيذه لكن ما يحدث داخل مديرية الطب البيطري بمحافظة الشرقية يطرح سؤالا صادما ومؤلما في آن واحد
كيف يحصل مواطنون مصريون محترمون على أحكام قضائية نهائية وباتة منذ سنوات ثم يظلون حتى اليوم عاجزين عن الحصول على حقوقهم؟ وكيف يتحول تنفيذ حكم قضائي إلى رحلة عذاب تستمر خمس سنوات كاملة؟
إنها قصة 36 طبيبا بيطريا وإداريا لا يطالبون بمكافآت استثنائية ولا يسعون إلى امتيازات خاصة وإنما يطالبون فقط بتنفيذ أحكام قضائية صدرت بالفعل وقرارات إدارية صدرت بالفعل وموافقات حكومية صدرت بالفعل.فماذا تبقى بعد ذلك؟
خمسة أعوام من الانتظار فمنذ عام 2021 حصل أفراد مجموعة الـ36 على أحكام قضائية نهائية وباتة بالتثبيت على الموازنة العامة للدولة.
ولم تتوقف الأمور عند حدود الأحكام القضائية بل صدر القرار الإداري رقم 325 لسنة 2021 تنفيذا لتلك الأحكام.
ثم جاءت موافقات الجهات المختصة
ثم جاءت موافقات التنظيم والإدارة
ثم جاءت موافقات وزارة المالية
ومع ذلك ما زالت الأزمة قائمة
وكأن هناك من قرر أن تكون كلمة الموظف تلمنوط به تنفيذ القانون أقوى من كلمة القضاء.
عندما يصبح تنفيذ الحكم مستحيلا
القاعدة القانونية المستقرة تقول إن الحكم القضائي النهائي واجب النفاذ لكن الواقع الذي تعيشه هذه المجموعة يقول شيئا آخر.
فالحكم موجود والقرار الإداري موجود والموافقات موجودة والعاملون موجودون بشحمهم ولحمهم ودمهم وحيثيتهم على رأس العمل (أما الرواتب فلا وجود لها)
إنها معادلة يصعب تفسيرها بل يصعب حتى تصديقها الموظف عندهم مطلوب منه العمل فقط وليس له حقوق يكالب بها يعنى اشتغل وانت ساكت ولو مسكتش حنوديك ورا الشمش مفيش تفسير ممكن يقال هنا غير هذا الهراء
المفارقة الأكثر غرابة أن هؤلاء العاملين ليسوا منقطعين عن العمل بل إنهم يؤدون أعمالهم يوميا يحضرون وينصرفون ويوقعون في السجلات الرسمية وتصدر لهم بيانات حالة وظيفية رسمية تثبت أنهم على رأس العمل ومع ذلك لا يتقاضون رواتبهم.
فإذا كانوا موظفين رسميين وقت الحاجة للعمل فلماذا لا يصبحون موظفين رسميين وقت صرف الرواتب؟
36 أسرة تدفع الثمن
خلف كل اسم من أسماء هذه المجموعة أسرة كاملة زوجة تنتظر أو زوج وأطفال يحتاجون إلى الطعام والتعليم والعلاج
والتزامات لا تعرف التأجيل وفواتير لا تنتظر انتهاء النزاعات الإدارية وقروض وأقساط وإيجارات ومصاريف معيشة تزداد يوما بعد يوم.
إن الحديث هنا ليس عن أوراق أو ملفات بل عن بشر وعن أسر وعن حياة كاملة معلقة منذ سنوات.
أي منطق هذا؟
كيف يُطلب من الموظف أداء واجبه الوظيفي يوميًا؟ وكيف يُطالب بالالتزام الكامل بقواعد العمل؟وكيف يُحاسب إذا أخطأ؟ ثم فى النهاية لا يحصل على أجره “””يحصل على صابونة”””؟
أي منطق إداري يسمح بذلك؟ وأي عدالة يمكن أن تقبل به؟ التأمينات تُحصّل والرواتب مجمدة اى والله العظيم يدفعوا ضرائب على مرتب مش بينقبض أصلا
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد فإذا حصل أحد أفراد المجموعة على إجازة رسمية يُطلب منه سداد حصته التأمينية كاملة أي أن الدولة تعترف بالتزاماته التأمينية لكنها لا تعترف بحقه في الأجر لان مسئولى المديرية عايزين كدا عاجبهم كدا غاويين يعذبوا عباد الله
فهل هناك تناقض أكبر من ذلك؟ وكيف يُطالب المواطن بأداء ما عليه بينما يُحرم مما له؟
الطبيبات بين العودة القسرية والراتب الغائب
الأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الطبيبات المعارات تم إنهاء إعاراتهن وإعادتهن إلى العمل تحت شعار “حاجة العمل والصالح العام”.
والسؤال هنا بسيط للغاية إذا كانت جهة العمل تحتاج إليهن لهذه الدرجة فلماذا لا يحصلن على حقوقهن المالية؟ وإذا كنّ عاملات بالفعل فلماذا لا تُنفذ الأحكام الصادرة لصالحهن؟
لماذا نُفذت الأحكام للبعض وتوقفت عند الـ36؟ بل لماذا تم تنفيذ قرارات وزارة المالية لمن سبقوهم وتوقفت عند ال٣٦
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة إذا كانت الدولة قد قامت بتثبيت ما يقرب من مائة حالة مشابهة قبل ذلك على الموازنة العامة للدولة فلماذا توقفت الأمور عند هذه المجموعة تحديدا؟ وما الذي يميز هذه الحالات عن غيرها؟ ولماذا تحولت هذه المجموعة وحدها إلى استثناء؟ ومن صاحب القرار الحقيقي الذي أوقف التنفيذ؟ وهل يملك أصلا هذا الحق ؟
أين هيبة الأحكام القضائية؟
إن القضية لم تعد مجرد قضية رواتب بل أصبحت قضية احترام القانون نفسه لأن الحكم القضائي عندما يتأخر تنفيذه سنوات طويلة فإن المتضرر لا يكون أصحاب الأحكام فقط بل تتأثر الثقة العامة في منظومة العدالة فالعدالة لا تكتمل بإصدار الحكم وإنما تكتمل بتنفيذه.
رسائل إلى أصحاب القرار
إلى معالى دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى هل يعلم مجلس الوزراء أن هناك 36 أسرة ما زالت تنتظر تنفيذ أحكام صدرت منذ سنوات؟
إلى معالى وزير الزراعة الاستاذ علاء فاروق
هل يليق أن يعمل أطباء بيطريون تابعون للوزارة بلا رواتب طوال هذه المدة؟
إلى محافظ الشرقية معالى المهندس حازم الاشمونى
هل ترضى أن تبقى هذه الأزمة معلقة داخل إحدى مديريات المحافظة؟
إلى الدكتور حامد الاقنص رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية
هل توجد مبررات قانونية حقيقية لاستمرار هذا الوضع؟
إلى الدكتور مجدى حسن نقيب الأطباء البيطريين
أين المساندة النقابية لزملاء ينتظرون حقوقهم منذ سنوات؟
وأين الجهات الرقابية؟
إذا كانت الأحكام موجودة.
والقرارات موجودة.
والموافقات موجودة.
فمن الذي أوقف التنفيذ؟
وهل تمت مراجعة أسباب التعطيل؟
وهل هناك مسؤول يتحمل مسؤولية ما جرى طوال هذه السنوات؟
أسئلة مشروعة تنتظر إجابات واضحة.
***المحرر
لا يطلب أصحاب هذه القضية سوى حق أقره القضاء ولا يسعون إلى استثناء أو امتياز
إنهم يطالبون فقط بتنفيذ أحكام نهائية صدرت باسم الشعب المصري ويطالبون برواتب مقابل عمل يؤدونه بالفعل ويطالبون بإنقاذ 36 أسرة ظلت تدفع ثمن الانتظار سنوات طويلة إن القضية اليوم ليست قضية 36 طبيبا او موظفا فقط بل قضية احترام القانون وقضية هيبة الدولة وقضية العدالة التي يجب أن تصل إلى أصحابها كاملة غير منقوصة
ويبقى السؤال معلقا
بعد الأحكام القضائية وبعد القرارات الإدارية وبعد موافقات التنظيم والإدارة وبعد موافقات وزارة المالية ماذا ينتظر أصحاب القضية حتى تُنفذ حقوقهم؟










