كتب احمد عسله
في مصر التي تفخر بقضائها العريق وتعتز بمؤسساتها الوطنية وتؤكد في كل مناسبة أن القانون فوق الجميع تبرز قضية مؤلمة تستحق أن تُروى كاملة لا دفاعا عن أشخاص بعينهم بل دفاعا عن قيمة العدالة ذاتها.
قضية لا تدور حول امتيازات خاصة ولا تتعلق بمطالب فئوية مبالغ فيها ولا تبحث عن أبواب خلفية أو استثناءات إنها قضية 36 طبيبا بيطريا وإداريا يعملون داخل مديرية الطب البيطري بمحافظة الشرقية حصلوا على أحكام قضائية نهائية وباتة بالتثبيت على الموازنة العامة للدولة وصدر لهم القرار الإداري اللازم واستكملوا كل المسارات القانونية والإدارية الممكنة ومع ذلك ما زالوا حتى هذه اللحظة ينتظرون.
ينتظرون تنفيذ ما صدر لهم بحكم القانون
وينتظرون أن تتحول الأوراق إلى واقع
وينتظرون أن يشعروا أن الدولة التي أنصفتهم في ساحات القضاء ستنصفهم أيضا في ساحات التنفيذ.
ليست قضية أرقام بل قضية بشر
حين يقرأ البعض رقم 36 قد يظنه رقما عابرا لكن الحقيقة أن خلف هذا الرقم عشرات القصص الإنسانية.
36 أبًا وأمًا.
36 بيتًا.
عشرات الأطفال.
أسر كاملة تعيش حالة من القلق والترقب منذ سنوات.
هناك من تخرج أبناؤه من المدارس خلال سنوات الأزمة.
وهناك من دخل أبناؤه الجامعات.
وهناك من تزوج.
وهناك من فقد عزيزا.
وهناك من تراكمت عليه الديون.
بينما بقي الملف في مكانه لا يتحرك.
كأن الزمن توقف عند عام 2021.
يعملووووون ولا يقبضووووون
قد تبدو الجملة صادمة لكنها الحقيقة التي يرددها أصحاب الأزمة فهؤلاء ليسوا جالسين في منازلهم وليسوا منقطعين عن العمل بل يعملون بالفعل داخل إدارات ووحدات ومديريات الطب البيطري بمحافظة الشرقية.
يحضرون صباحا يوقعون دفاتر الحضور ينفذون التعليمات يشاركون في حملات التحصين يتابعون الأمراض الوبائية يشرفون على أعمال المجازر يقومون بالأعمال الإدارية والفنية المطلوبة منهم ثم يعودون إلى بيوتهم وهم يتساءلون إلى متى؟
هل يعرف أحد قيمة الطبيب البيطري؟
ربما لا يحظى الطبيب البيطري بالضوء الإعلامي الذي يحظى به غيره لكن الحقيقة أن الأمن الغذائي في أي دولة يبدأ من الطبيب البيطري هو خط الدفاع الأول عن الثروة الحيوانية وهو الحارس الصامت لصحة ملايين المواطنين وهو المسؤول عن مواجهة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان وهو الذي يقف في المجازر والأسواق والمزارع لحماية غذاء الناس.
فكيف يصبح من يحمي غذاء المجتمع عاجزا عن توفير غذاء أسرته؟وكيف يصبح من يحمي اقتصاد الدولة الزراعي والحيواني عاجزا عن حماية بيته من ضغوط الحياة؟
من المسؤول عن هذا المشهد؟
هنا تبدأ الأسئلة الصعبة.
إذا كانت الأحكام القضائية قد صدرت.
فلماذا لم تُنفذ؟
وإذا كان القرار الإداري قد صدر.
فلماذا لم يُفعّل؟
وإذا كانت الجهات المختصة وافقت.
فلماذا بقيت الأزمة؟
وإذا كانت وزارة المالية أبدت موافقتها.
فما العقبة التي ما زالت قائمة؟
ومن يتحمل مسؤولية السنوات التي ضاعت من أعمار هؤلاء العاملين؟
ومن يتحمل مسؤولية الأعباء النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحملتها أسرهم؟
العدالة ليست حكماً فقط
العدالة لا تكتمل بمجرد صدور الحكم.
فالعدالة الحقيقية تبدأ عندما يصل الحق إلى صاحبه أما الحكم الذي يبقى حبيس الملفات فهو انتصار ناقص وانتصاف مؤجل وأمل معلق ولهذا فإن القضية اليوم ليست قضية 36 موظفا فقط بل قضية احترام الأحكام القضائية نفسها وقضية الثقة في أن مؤسسات الدولة قادرة على إنفاذ القانون بعد إقراره.
عندما يتحول الانتظار إلى عقوبة
خمس سنوات تقريبا ليست رقما بسيطا إنها فترة كافية لأن يتخرج طفل من المرحلة الابتدائية وفترة كافية لتتغير حياة أسر كاملة وفترة كافية لأن تتضاعف الأعباء الاقتصادية مرات عديدة.
خلال هذه السنوات ارتفعت الأسعار.
وتضاعفت تكاليف المعيشة وزادت الالتزامات.
بينما بقيت حقوق أصحاب الأزمة معلقة بين المكاتبات والردود والموافقات والانتظار.
حتى أصبح الانتظار نفسه نوعا من العقوبة التي لم يحكم بها قاضٍ ولم ينص عليها قانون.
لماذا توقفت عند مجموعة الـ36؟
هذا السؤال وحده يحتاج إلى إجابة رسمية.
فبحسب ما يؤكد أصحاب القضية، فقد تم تثبيت أعداد أخرى قبلهم على الموازنة العامة للدولة إذن المبدأ قائم والسابقة موجودة والإجراءات معروفة.
فلماذا توقفت المسيرة عند هذه المجموعة تحديدا؟
وهل توجد أسباب قانونية حقيقية؟
أم أن الأزمة أصبحت رهينة التباطؤ الإداري والروتين القاتل؟
قضية رأي عام لا ملف إداري
لم تعد القضية شأنا داخليا يخص مجموعة موظفين فقط بل أصبحت نموذجا يستحق الدراسة.
فكل مواطن مصري يلجأ إلى القضاء يفترض أن حكم المحكمة سيكون نهاية الطريق.
لكن ماذا لو تحول الحكم إلى بداية طريق أطول؟
وماذا لو انتصر المواطن أمام القضاء ثم خسر سنوات أخرى في انتظار التنفيذ؟
هنا يصبح الملف قضية رأي عام بامتياز.
رسالة إلى الدولة
أصحاب الأزمة لا يهاجمون الدولة.
بل يتمسكون بها.
ولا يشككون في مؤسساتها.
بل يستندون إليها.
ولا يطلبون أكثر مما كفله القانون.
كل ما يريدونه هو أن تنتصر الدولة لنفسها.
أن تنتصر لأحكام قضائها.
أن تنتصر لهيبة القانون.
أن تنتصر لمبدأ طالما آمنت به وهو أن الحق لا يسقط بالتقادم.
رسالة إلى الضمير
بعيدا عن اللوائح والقرارات.
بعيدا عن المكاتبات والمذكرات.
بعيدًا عن الأختام والتوقيعات.
هناك سؤال إنساني بسيط
ماذا لو كان أحد أفراد هذه المجموعة أخاك؟
أو ابنك؟
أو زوجتك؟
أو والدك؟
هل كنت سترضى أن يعمل سنوات طويلة بلا استقرار مالي حقيقي رغم حصوله على أحكام قضائية نهائية؟
بالتأكيد لا.
وهنا جوهر القضية.
***المحرر
ربما لا يملك أصحاب الأزمة منابر إعلامية كبرى وربما لا يملكون نفوذا أو سلطة.
لكنهم يملكون شيئا واحدًا لا يجوز أن يضيع.
حقهم.
حق أقره القضاء وحق دعمه القانون وحق تنتظره أسر أنهكها الصبر ولهذا تبقى المناشدة قائمة
إلى رئيس مجلس الوزراء.
إلى وزير الزراعة.
إلى محافظ الشرقية.
إلى رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية.
إلى نقيب الأطباء البيطريين.
إلى الجهات الرقابية كافة.
أنقذوا 36 أسرة مصرية.
أعيدوا الاعتبار لأحكام القضاء.
وأغلقوا هذا الملف بما يليق بدولة تحترم القانون وتحمي حقوق أبنائها.
فالأوطان العظيمة لا تُقاس فقط بعدد المشروعات والإنجازات بل تُقاس أيضا بقدرتها على إيصال الحق إلى أصحابه مهما طال الانتظار.









