ثمة أو هناك حقيقة موجعة تحتاج إلى شجاعة في الاعتراف بها ليس كل ما نقدمه لأبنائنا حباً وليس كل ما نمنحه لهم رعاية وليس كل ما نمنعهم من مواجهته رحمة بهم.
ففي بيوت كثيرة اختلط الحب بالتدليل والاحتواء بإلغاء الشخصية والخوف على الأبناء بإعفائهم من المسؤولية حتى أصبحنا نربي جيلا يريد أن يحصل على كل شيء ولا يريد أن يتحمل ثمن أي شيء!
نريد أبناء ناجحين دون أن نعلمهم قيمة الاجتهاد ونريدهم محترمين دون أن نلزمهم بقواعد الاحترام ونريدهم أقوياء دون أن نسمح لهم بمواجهة الصعوبات ونريدهم أصحاب شخصيات مستقلة بينما نتدخل في كل صغيرة وكبيرة ونرفع عن كواهلهم كل عبء ونمهد لهم الطريق حتى لا تتعثر أقدامهم!
ثم نفاجأ عندما يعجزون عن مواجهة أول عقبة أو يحتدمون عند أول خلاف أو ينهارون أمام أول كلمة نقد أو يرفضون أبسط صور الالتزام!
يا سادة ماذا ننتظر من طفل لم يسمع في حياته كلمة «لا»؟ وماذا ننتظر من شاب اعتاد أن تكون رغباته أوامر وأن تكون اعتراضاته قوانين وأن يكون غضبه وسيلة للحصول على ما يريد؟!
لقد أصبحنا في بعض البيوت نخشى أن نحزن أبناءنا أكثر مما نخشى أن نفسدهم!
وهذه واحدة من أخطر المفارقات في التربية الحديثة.
الأب الذي يشتري لابنه كل ما يطلبه حتى لو لم يكن في حاجة إليه يظن أنه يمنحه السعادة لكنه قد يحرمه نعمة تقدير الأشياء.
والأم التي تتدخل في كل موقف لتمنع ابنها من تحمل نتيجة تصرفاته تظن أنها تحميه لكنها قد تسلبه القدرة على الاعتماد على نفسه.
والأسرة التي تتعامل مع كل ملاحظة توجه إلى ابنها باعتبارها إهانة قد تصنع منه إنسانا لا يقبل النصيحة ولا يحتمل النقد ولا يعرف كيف يراجع نفسه.
إن المشكلة ليست في أن نحب أبناءنا فالحب ضرورة لا غنى عنها وإنما في أن يتحول الحب إلى استسلام وأن تصبح العاطفة ستاراً يحجب عنا رؤية أخطائهم.
هناك فارق بين أن تفتح لابنك أبواب الحياة وأن تحمله على ظهرك حتى يفقد القدرة على السير وهناك فارق بين أن تسانده عندما يتعثر وأن تمنعه من التعلم من عثراته وهناك فارق بين أن تمنحه الثقة، وأن تقنعه بأنه لا يخطئ وهناك فارق بين أن تحفظ كرامته وأن تربيه على الاستعلاء على الآخرين.
والأخطر من كل ذلك أننا أحياناً نخلط بين الحزم والقسوة وبين الانضباط والتسلط وبين الرحمة والتدليل فنخشى أن نضع حدوداً لأبنائنا حتى لا يتهمونا بأننا لا نفهمهم أو لا نقدر مشاعرهم أو لا نمنحهم الحرية التي يستحقونها.
لكن من قال إن التربية تعني الموافقة الدائمة؟ ومن قال إن الحب يقتضي تنفيذ كل الرغبات؟ ومن أقنعنا بأن الطفل الذي لا يسمع كلمة «لا» سيكون أكثر سعادة عندما يكبر؟!
إن الطفل الذي لا يتعلم حدود رغباته في البيت سيصطدم بحدود العالم خارجه والعالم لا يتعامل دائماً بمنطق الأبوة والأمومة!
في المدرسة لن يكون هناك معلم متفرغ لتنفيذ رغباته وفي الجامعة لن يجد من يبرر له كل تقصير وفي العمل لن ينتظره مدير ليراعي مزاجه وفي المجتمع لن يتنازل الجميع عن حقوقهم حتى لا يغضب.
الحياة ليست غرفة مكيفة ولا طريقاً مفروشاً بالورود ولا قائمة من الطلبات التي تنتظر من ينفذها.
الحياة مسؤولية والتزام وصبر واحتمال واحترام للآخرين وقدرة على قبول الخسارة قبل انتظار المكسب.
ومن لم يتعلم ذلك في بيته سيدفع ثمن غيابه في كل محطة من محطات عمره.
ولنتأمل كيف ينعكس هذا التدليل على المدرسة
طالب لا يقبل أن يصحح له المعلم خطأ لأنه اعتاد في البيت أن يكون دائماً على صواب.
وطالب لا يتحمل نتيجة إهماله لأنه اعتاد أن يجد من يؤدي عنه واجباته.
وطالب يرفض الالتزام بالنظام لأنه نشأ على أن رغباته تسبق حقوق الآخرين.
وطالب يثور عند أول عقوبة تربوية لأن أحداً لم يعلمه أن لكل تصرف نتيجة.
وهنا لا تصبح المدرسة أمام طالب يحتاج إلى العلم وحده وإنما أمام شخصية تحتاج إلى إعادة بناء مفاهيم أساسية عن الحياة.
وهل هذه مهمة المدرسة وحدها؟!
بالطبع لا لا لا .
إننا لا نستطيع أن نطلب من المعلم أن يصنع في ساعات قليلة ما هدمه التدليل المفرط على مدار سنوات ولا يجوز أن نحمّل المؤسسة التعليمية مسؤولية كل خلل نشأ في البيت ثم نتساءل لماذا تراجعت قدرتها على أداء رسالتها.
لكن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية وهو أن التدليل لا يصنع أبناء عاجزين عن مواجهة الحياة فحسب بل قد يصنع أبناء لا يشعرون بالآخرين.
فالطفل الذي اعتاد أن يكون محور الكون قد يكبر وهو لا يرى إلا نفسه ولا يدرك أن للآخرين مشاعر وحقوقاً واحتياجات وأن الحياة ليست ملكا له وحده.
ومن هنا يبدأ الخلل الحقيقي في بناء الشخصية أن يتقدم الأنا على الضمير وأن تتقدم الرغبة على الواجب وأن يصبح الحصول على الحق أهم من احترام حق الآخرين.
يا أيها الآباء والأمهات والاخوة والاخوات لا تجعلوا أبناءكم يدفعون ثمن عاطفتكم غير المنضبطة علموهم أن المال لا يأتي بلا عمل وأن النجاح لا يأتي بلا اجتهاد وأن الاحترام لا يُشترى وأن الاعتذار ليس ضعفاً وأن الالتزام ليس عبودية وأن الحرية ليست انفلاتاً من المسؤولية.
كلفوا أبناءكم بمهام تناسب أعمارهم واتركوا لهم مساحة للتجربة والتعلم ولا تتدخلوا في كل موقف لإنقاذهم من نتائج اختياراتهم وامنحوهم حق الخطأ الذي يتعلمون منه دون أن تتخلوا عن حقكم في التوجيه والمحاسبة.
لا تجعلوا الهاتف بديلاً عن الحوار ولا الهدايا بديلاً عن الحضور ولا المال بديلاً عن التربية ولا الصمت عن الخطأ بديلاً عن الاحتواء.
فأعظم هدية تقدمها لابنك ليست أن تعطيه كل ما يريد وإنما أن تجعله قادراً على العيش بكرامة حتى عندما لا يحصل على كل مايريد.
وأقولها لكل أب وأم واخ واخت لا تربوا أبناءكم على أن الدنيا مدينة لهم بل علموهم كيف يكونون إضافة نافعة لهذه الدنيا.
لا تصنعوا منهم أشخاصاً ينتظرون من الآخرين أن يفسحوا لهم الطريق بل علموهم كيف يشقون طريقهم بالعمل والأخلاق والكفاءة.
ولا تزرعوا فيهم شعوراً زائفاً بأنهم أفضل من الجميع بل اغرسوا فيهم قيمة التواضع واحترام الناس.
فليس كل طفل مدلل سعيداً وليس كل ابن يحصل على كل شيء محظوظاً فقد تكون بعض النعم التي نغدقها على أبنائنا هي ذاتها الأسباب التي تضعف قدرتهم على مواجهة الحياة.
و تذكروا أن التربية ليست سباقاً في تقديم الامتيازات ولا منافسة بين الأسر في شراء أحدث الهواتف والملابس ولا استعراضاً لما نملك أمام الآخرين.
التربية بناء إنسان يعرف قيمة نفسه دون أن ينتقص من قيمة غيره ويعرف حقوقه دون أن ينسى واجباته ويملك الطموح دون أن يفقد التواضع ويستطيع أن يواجه الحياة دون أن ينتظر من أحد أن يحمل عنه مسؤوليتها.
لا نريد أبناء يعيشون طفولتهم ملوكاً ثم يدخلون شبابهم عاجزين عن تحمل مسؤولية أنفسهم.
نريد أبناء يعرفون أن الحب لا يعني غياب الحدود وأن الرحمة لا تعني إلغاء المحاسبة وأن التربية الحقيقية ليست أن تجعل طريق أبنائك خالياً من الأشواك وإنما أن تمنحهم من القيم والقوة ما يعينهم على عبور الطريق.
فلا تقتلوا في أبنائكم القدرة على الحياة باسم الحب ولا تفسدوا مستقبلهم باسم الخووووف عليهم..تحيا مصر..








