تحقيق احمد عسله
الخمسة والعشرون تحقيقا صحفيا الأخيرة لم تكن مجرد حلقات متتابعة في ملف إداري أو مالي ولم يكن الهدف منها إضافة أرقام جديدة إلى أرشيف الصحافة وإنما كانت محاولة جادة لفتح واحد من الملفات التي طال انتظار أصحابها لإجابة واضحة بشأنها.
إنها قضية العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف الذين انتقلوا إلى شركات الكهرباء في إطار إعادة تنظيم قطاع الكهرباء وما صاحب ذلك من قرارات نقل والتزامات مالية واشتراكات ومزايا تأمينية وتسويات لا تزال بعض جوانبها محل مطالبات وتساؤلات من أصحاب الشأن.
ومنذ بداية هذه السلسلة كان السؤال أكبر من مجرد مطالبة بمبلغ مالي أو الاعتراض على طريقة احتساب ميزة تأمينية فالقضية تتعلق بكيفية انتقال الحقوق والالتزامات من جهة إلى أخرى ومدى الالتزام بالقواعد المنظمة وما إذا كانت التسويات التي أُجريت قد عكست بالفعل المراكز المالية والتأمينية للعاملين.
ولأن الصحافة ليست محكمة تصدر أحكاما ولا جهة إدارية تقرر استحقاقات فقد كان منهجنا أن نطرح الأسئلة ونقرأ المستندات ونضع المطالبات أمام الجهات صاحبة الاختصاص ونطالب بإجابة رسمية تستند إلى القانون والحسابات.
من قرار النقل إلى سؤال الحقوق
بدأت رحلة البحث من نقطة أساسية ماذا حدث لحقوق العاملين عندما انتقلت هيئة كهربة الريف إلى مرحلة جديدة من تنظيم قطاع الكهرباء؟
فقرار النقل لا يعني مجرد انتقال الموظف من مكتب إلى آخر أو تغيير اسم جهة العمل في ملفه الوظيفي وإنما يستلزم فهما دقيقا لما انتقل من أصول وحقوق والتزامات وما ترتب على ذلك بالنسبة للعاملين والصناديق والمزايا التي كانوا يستفيدون منها.
كشفت المستندات التي عُرضت خلال السلسلة عن أهمية مراجعة القرارات المنظمة للنقل ومنها القرارات التي تناولت أوضاع العاملين والأصول والالتزامات وما تضمنته من أحكام تتعلق بالأجور والمزايا والالتزامات المرتبطة بالصناديق.
وهنا كان السؤال هل جرى تنفيذ تلك الأحكام بكل آثارها المالية والتأمينية أم أن بعض الجوانب تحتاج إلى مراجعة ومطابقة بين النصوص والواقع التنفيذي؟
الـ5% والـ50 شهرا والـ12 شهرا ثلاثة أرقام في قلب القضية
من أكثر النقاط التي أثارت تساؤلات العاملين مسألة الاشتراكات التي يقولون إنهم تحملوها من أجورهم وما يقابلها من التزامات على الجهات المعنية ومدى انعكاس هذه الاشتراكات على المزايا التي ينتظرون الحصول عليها عند انتهاء الخدمة.
كما تمحورت مطالباتهم حول كيفية احتساب ميزة الخمسين شهرا على أساس الأجر الشامل الأخير ومطالبتهم بمراجعة ميزة الاثني عشر شهرا المرتبطة بالأجر الأساسي عند التقاعد وفقا لما يستندون إليه من لوائح ومستندات.
وهنا يجب أن تكون كلمة الفصل للنصوص المنظمة للصندوق والقرارات المعتمدة وكشوف الاشتراكات وتاريخ سريان كل قاعدة والمركز التأميني لكل عامل.
فلا يجوز أن تُحسم هذه المسائل بالتقدير أو الانطباع ولا أن يُرفض حق لمجرد أن صاحبه يطالب به منذ سنوات وإنما يجب فحص كل عنصر من عناصر المطالبة وتحديد ما ثبت استحقاقه وما لا يثبت مع بيان الأسباب.
نسبة الـ25% والمليارات أرقام تحتاج إلى مراجعة رسمية
من الملفات التي تستحق اهتماما خاصا ما أثاره العاملون بشأن نسبة الـ25% التي يقولون إنها ارتبطت بتسويات مشروعات كبار المشتركين ويقدرون قيمة ما يتعلق بها بنحو خمسة مليارات جنيه.
وهذا رقم كبير لا يصح التعامل معه باعتباره مديونية نهائية أو مبلغا ثابت الاستحقاق قبل مراجعة الحسابات والمستندات الأصلية لكنه في الوقت نفسه ليس رقما ينبغي تجاهل المطالبة بفحصه.
فالمطلوب هو مراجعة التسويات التي يشير إليها أصحاب المطالبة وكشوف الشيكات التي يقولون إنها سُجلت بدفاتر الصندوق ومطابقة ذلك بالقيود المحاسبية والحسابات الختامية وبيان ما تم تحصيله وما تم توريده وما آل إليه كل مبلغ.
إن المراجعة الرسمية هي وحدها القادرة على تحديد حقيقة الرقم والأساس الذي احتُسب عليه وما إذا كانت هناك مبالغ واجبة التسوية أو لا.
المستندات لا ينبغي أن تبقى حبيسة الأدراج
على امتداد التحقيقات ظهرت أهمية عدد من الأوراق والمكاتبات والقرارات التي تتناول العلاقة بين هيئة كهربة الريف والشركة القابضة وشركات الكهرباء إلى جانب ما طرحه العاملون بشأن مذكرات مشتركة ولجان ومراجعات مالية وتأمينية.
كما ظهرت الحاجة إلى مراجعة المستندات التي تثبت ما تم الاتفاق عليه بين الجهات وما نُفذ بالفعل وما بقي محل خلاف.
وهنا نؤكد أن مجرد وجود مذكرة أو توصية أو رأي قانوني لا يعني بالضرورة أنه أصبح التزاما نهائيا واجب التنفيذ فلكل مستند طبيعته وقيمته القانونية ولكل قرار نطاقه وشروطه.
لكن من حق أصحاب المطالبات أن يعرفوا مصير الأوراق التي قدموها وما انتهت إليه الجهات المختصة بشأنها ولماذا قُبل بعضها أو رُفض بعضها الآخر.
لماذا لا يكون الحل في لجنة واحدة تجمع أطراف القضية؟
بعد كل هذه السنوات ربما لم يعد المطلوب مزيدا من المكاتبات المتبادلة بقدر ما أصبح المطلوب آلية واضحة للحسم.
ونقترح أن تتولى الجهات المعنية تشكيل لجنة مشتركة متخصصة تضم ممثلين عن وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة والشركة القابضة لكهرباء مصر والشركات المعنية والإدارات القانونية والمالية وممثلين عن الموظفين المتضررين إلى جانب خبرة تأمينية واكتوارية مستقلة عند الحاجة.
وتكون مهمة اللجنة محددة وليست مفتوحة بلا نهاية وتشمل
حصر العاملين السابقين بالهيئة الذين تشملهم المطالبات وتصنيف حالاتهم بحسب تاريخ النقل وانتهاء الخدمة.
مراجعة قرارات النقل واللوائح والسياسات التأمينية التي كانت سارية على كل فئة.
مطابقة الاشتراكات المحصلة من العاملين والالتزامات التي تحملتها الجهات المعنية مع السجلات والحسابات.
مراجعة أسس احتساب المزايا التأمينية بما فيها المطالبات المتعلقة بالخمسين شهرًا والاثني عشر شهرا وفقا للمستندات والقواعد الحاكمة.
فحص التسويات المتعلقة بنسبة الـ25% والشيكات والمبالغ التي يشير إليها العاملون وتحديد حقيقة الأرصدة ومصيرها.
إعداد بيان تفصيلي بما ثبت استحقاقه وما يحتاج إلى مستندات إضافية وما انتهت اللجنة إلى عدم استحقاقه، مع تسبيب كل نتيجة.
وضع جدول زمني معلن لإنهاء أعمال الفحص وإخطار أصحاب المطالبات بنتائج مراجعة حالاتهم.
إن اللجنة المقترحة ليست وسيلة لتأجيل القضية وإنما ينبغي أن تكون أداة لإنهائها بجدول زمني واضح ومسؤولية محددة ونتائج قابلة للمراجعة.
رسالة إلى وزير الكهرباء ورئيس الشركة القابضة
إلى السيد الدكتور وزير الكهرباء والطاقة المتجددة
وإلى السيد الدكتور المهندس أحمد مهينة رئيس الشركة القابضة لكهرباء مصر وفقا لما ورد في المستندات المقدمة إلينا..
إن ملف العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف يحتاج إلى قرار إداري جاد يضع حدا لحالة الجدل ويجمع المستندات المتفرقة ويحدد المسؤولية عن مراجعتها ويعلن النتيجة أمام أصحاب الشأن.
لسنا أمام دعوة إلى تحميل الشركات التزامات لم تثبت ولا إلى صرف مبالغ دون سند، وإنما أمام مطالبة بفحص الحقوق والالتزامات على قدم المساواة، وتطبيق القانون واللوائح دون انتقاص من حق ثابت أو تحميل المال العام ما لا يستحق.
إن حماية المال العام لا تتعارض مع إنصاف العاملين بل إن الطريق الصحيح يجمع بينهما؛ فالحساب الدقيق يحمي المؤسسة، والقرار العادل يطمئن العامل، والشفافية تنهي الجدل.
إلى العاملين أصحاب المطالبات
وإلى كل من شارك بمعلومة أو مستند أو شهادة في هذه السلسلة
إن المطالبة بالحق لا تعني أن النتيجة محسومة سلفًا، كما أن طول الانتظار لا يسقط الحق إذا كان ثابتًا بالقانون والمستندات.
استمروا في الاحتفاظ بأصول الأوراق وكشوف الاشتراكات وقرارات النقل ومستندات التسوية وأي مكاتبات رسمية تتعلق بحالاتكم فهذه هي الأدوات التي تجعل المطالبة محددة وقابلة للفحص وتساعد على الوصول إلى نتيجة عادلة لكل حالة.
ولا تجعلوا اختلاف وجهات النظر سببا في ضياع الهدف الأساسي فالمطلوب ليس الانتصار لطرف على طرف وإنما الوصول إلى الحقيقة.
كلمةختام سلسلة التحقيقات الصحفية ال٢٥ الصحافة تفتح الباب والقرار مسؤولية أصحابه
خمسة وعشرون تحقيقًا صحفيا تنتهي حلقاتها اليوم لكن القضية لن تنتهي بمجرد نشر الحلقة الأخيرة.
فالصحافة تستطيع أن تفتح الملف وتكشف الأسئلة وتضع المستندات والمطالبات أمام الرأي العام وتطالب المسؤولين بالتفسير والحسم لكنها لا تحل محل الجهات المختصة في الفحص والحساب ولا تصدر حكما نهائيا باستحقاق مبلغ دون سند.
ولذلك نختتم هذه السلسلة برسالة واضحة افتحوا الملف كاملا راجعوا كل مستند طابقوا كل اشتراك افحصوا كل تسوية وأعلنوا الحقيقة كما هي فإن ثبت للعامل حق فليحصل عليه وإن لم تثبت المطالبة فليعرف صاحبها السبب القانوني والحسابي بوضوح.
إن سنوات الخدمة لا ينبغي أن تنتهي بأسئلة بلا إجابات والمستندات لا ينبغي أن تتحول إلى أوراق متبادلة لا تصل إلى نتيجة والحقوق لا تُصان إلا بالقانون والشفافية والقرار المسؤول.
خمسة وعشرون تحقيقا ورسالة واحدة
تؤكد لا نطلب أكثر من الحقيقة ولا نقبل بأقل من فحص عادل ولا نريد إلا أن يحصل كل ذي حق على حقه وأن تظل أموال الدولة مصونة بالقانون.
انتهت السلسلة الصحفية لكن باب المتابعة سيظل مفتوحا حتى تظهر الحقيقة ويصدر القرار الذي ينتظره أصحاب المطالبات.
علما باننى سوف اقوم بفتح الملف كن جديد بصورة شرسة اذا لم يتم الوصول للحقيقة او عدم حصول العاملين السابقين على حقوقهم…








