تخيل شابا في مقتبل العمر بعيدا عن أهله غريبا عن وطنه لا أب بجواره ولا أم تراقب خطواته ولا أحد يعرف ماذا يفعل خلف الأبواب المغلقة.
شاب اجتمعت له دواعي الإغراء وأُغلقت دونه أبواب الرقابة البشرية وأصبح أمام اختبار لا يراه فيه أحد من الناس.
إنه سيدنا يوسف عليه السلام.
ذلك الشاب الذي بيع بثمن بخس وانتقل من محنة إلى محنة حتى صار في بيت عزيز مصر وهناك وقع الاختبار العظيم.
لم يكن الاختبار في الشارع ولا أمام الناس ولا في مكان يخشى فيه الفضيحة.
كان اختبارا خلف الأبواب المغلقة!
قال الله تعالى:
**﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾.**
تأملوا المشهد!
الأبواب مغلقة والفرصة متاحة والرقابة غائبة والدعوة إلى المعصية صريحة.
لكن يوسف لم يسأل من سيراني؟
ولم يفكر هل سينكشف أمري؟
ولم يجعل غياب الرقيب البشري تصريحا بفعل ما يريد.
بل أجاب بكلمات أصبحت درسا خالدا لكل إنسان
**﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾.**
كلمتان تختصران تربية كاملة وإيمانا عميقا وضميرًا حيا.
لم يقل أخاف الفضيحة.
لم يقل أخشى على مستقبلي.
لم يقل ربما يعرف الناس.
قال معاذ الله!
أي أستعيذ بالله وألجأ إليه من الوقوع فيما لا يرضيه.
وهنا نريد أن نسأل شبابنا وفتياتنا
ما قيمة أخلاق الإنسان إذا كان مستقيما أمام الناس ثم يتخلى عنها عندما يغيبون؟
ما قيمة العفة إذا كانت مرتبطة بوجود من يراقب؟
وما قيمة الأمانة إذا كان الإنسان لا يحفظها إلا خوفا من العقوبة؟
**العفة الحقيقية أن يكون ضميرك حاضرا عندما يغيب الجميع وأن تتذكر أن الله يراك حتى عندما لا يراك أحد.**
ثم إن سيدنا يوسف لم يكتف برفض المعصية بل سعى إلى النجاة منها وفر إلى الباب وواجه محنة جديدة.
وتخيلوا أن اختياره لطاعة الله لم يجنبه الابتلاء فورا!
بل اتُّهم وتعرض للظلم وانتهى به الأمر إلى السجن.
وهنا درس آخر لا يقل عظمة
فليس كل من اختار الصواب وجد الراحة فورا وليس كل من ابتعد عن الحرام فُتحت أمامه أبواب الدنيا في اليوم التالي.
قد تدفع ثمن تمسكك بمبادئك وقد تتألم لأنك رفضت طريقا خاطئا وقد يسيء البعض فهمك لكن لا تجعل تأخر المكافأة سببا للتخلي عن المبدأ.
*يوسف دخل السجن لكنه لم يدخل المعصية.
*خسر حريته مؤقتا لكنه لم يخسر عفته.
*تأخر وصوله إلى ما أراده الله له لكن الله لم يتركه.
ثم دارت الأيام وجاءت لحظة التمكين وخرج يوسف من السجن إلى مكانة عظيمة وأصبح مسؤولا عن خزائن الأرض.
وكأن القصة تقول لنا لا تساوم على مبادئك من أجل مكسب عاجل فقد يكون الطريق الذي ترفضه اليوم هو نفسه الطريق الذي يحمي مستقبلك غدا ياالله ياالله ياالله
**رسائل من قصة سيدنا يوسف:**
$إلى الشاب الرجولة ليست في كثرة العلاقات وإنما في القدرة على ضبط النفس واحترام حدود الله وحقوق الآخرين.
$إلى الفتاة قيمتك ليست في عدد المعجبين بك ولا في مقدار ما تحصلين عليه من اهتمام وإنما في كرامتك وشخصيتك وعفتك.
$إلى كل إنسان لا تجعل غياب الناس فرصة لفعل ما تستحي أن تفعله أمامهم.
$إلى المظلوم لا تظن أن تأخر إنصافك دليل على ضياع حقك.
$إلى صاحب المبدأ لا تندم على باب حرام أغلقته بيدك حتى لو بدا لك أن خلفه مكسبا كبيرا.
$وإلى الآباء والأمهات ربووووا أبناءكم على مراقبة الله لا على الخوف من مراقبة البشر فالرقابة قد تغيب أما الإيمان إذا استقر في القلب فيصنع رقيبا لا يغييييب.
**والآن، تأملوا حضراتكم هذه الحقيقة:**
سيدنا يوسف لم يكن عاجزا عن المعصية ولكنه كان أعظم من أن يبيع علاقته بالله من أجل لحظة عابرة.
ولم تكن قوته في أنه لم يُعرض عليه الحرام وإنما في أنه عُرض عليه فرفض.
ولم تكن عفته في أن الطريق كان مغلقا بل في أنه اختار الله عندما كانت الأبواب كلها مفتوحة أمامه.
اللهم ارزق شبابنا عفة سيدنا يوسف وصدق يوسف وصبر يوسف واجعل أبناءنا ممن يخافونك في السر والعلن ولا تجعل الدنيا أكبر همهم ولا مبلغ علمهم اللهم آمن روعاتهم واستر ذلاتهم وتوفهم وانت راض عنهم يارب العالمين
انها قصة شاب اجتمعت أمامه دواعي المعصية لكنه اختار أن يكون عبدا لله قبل أن يكون أسيرا لشهوته وهنا نتعلم أن العفة ليست أن تعجز عن الحرام وإنما أن تقدر عليه ثم تخاف الله.
**وتذكروا دائمًا**
قد تخسر شيئا لأنك رفضت الحرام لكنك لا تخسر أبدا عندما تختار رضا الله.
فليس كل باب مفتوح فرصة وليس كل ما تشتهيه النفس يستحق أن نصل إليه.
**هناك انتصارات لا يصفق لها أحد لكنها عند الله عظيمة وأعظمها أن تنتصر على نفسك عندما لا يراك أحد.**
______
احبابى الجمال مفتاح الحلقة الثالثة الذي أتركه لحضراتكم
هناك أب حكيم لم يكتفِ بأن ينصح ابنه بل خاف عليه من الشرك ومن الظلم ومن الغرور ومن سوء الخلق ومن التكبر على الناس.
إنه لقمان الحكيم.
والسؤال الذي سنبني عليه الحلقة القادمة
كيف يمكن لكلمات أب لابنه أن تصنع إنسانا وتحمي أمة وتؤسس جيلا؟
صباحكم عفة وأمانة ونور يا احبابى يابشوات يااهل التقى والعفاف والرحمة والخلق الرفيع .








