كتب احمد عسله
في الوقت الذي تؤكد فيه الدولة المصرية يوما بعد يوم احترامها لأحكام القضاء وسيادة القانون وفي الوقت الذي ترفع فيه مؤسسات الدولة شعار الجمهورية الجديدة القائمة على العدالة وتكافؤ الفرص يظل هناك ملف مفتوح داخل مديرية الطب البيطري بمحافظة الشرقية يثير تساؤلات مؤلمة ويبحث عن إجابات حاسمة.
ملف لا يتعلق بمكافآت استثنائية ولا يخص ترقيات خاصة ولا يتحدث عن مطالب فئوية بل يتعلق بأحكام قضائية نهائية وباتة صدرت باسم الشعب المصري ورغم ذلك ما زال أصحابها ينتظرون. .ينتظرون منذ سنوات..ينتظرون حتى أصبح الانتظار نفسه جزءا من حياتهم اليومية.
حكاية 36 مواطنا مصريا
القصة تبدأ مع 36 طبيبا بيطريا وإداريا يعملون داخل مديرية الطب البيطري بمحافظة الشرقية والإدارات والوحدات البيطرية التابعة لها بمختلف المراكز والمدن سنوات طويلة قضوها في مواقع العمل يتعاملون مع المواطنين يشاركون في حملات التحصين يكافحون الأمراض الوبائية يراقبون الأسواق والمجازر ينفذون التكليفات اليومية يتحملون مسؤولياتهم الوظيفية كاملة لكنهم في المقابل لم يحصلوا على أبسط حقوقهم.
الراتب الراتب الراتب
الحكم صدر فماذا بعد؟
في عام 2021 حصل أفراد هذه المجموعة على أحكام قضائية نهائية وباتة بالتثبيت على الموازنة العامة للدولة لم يكن الأمر مجرد حكم ابتدائي ولم يكن قرارا مؤقتا بل أحكام نهائية واجبة النفاذ ثم صدر القرار الإداري رقم 325 لسنة 2021 تنفيذا لهذه الأحكام وكان من المفترض أن تنتهي الأزمة عند هذه النقطة لكن ما حدث بعد ذلك كان أشبه بقصة لا تنتهي.
القرار موجود والتنفيذ مفقود
الأوراق تقول إن الأحكام موجودة والقرارات موجودة والمخاطبات موجودة وموافقات الجهات المختصة موجودة وموافقات الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة موجودة وموافقات وزارة المالية موجودة لكن التنفيذ الكامل ما زال غائبا.
وهنا يقف الجميع أمام سؤال كبير إذا كانت كل الجهات قالت نعم فمن قال لا؟ ومن يملك تعطيل حكم قضائي؟
في أي دولة تحترم القانون لا توجد سلطة أعلى من القضاء ومصر من هذه الدول ولا يجوز أن تتحول الأحكام النهائية إلى مجرد أوراق تحفظ داخل الأدراج فالقضاء حين يصدر حكمه يكون قد قال كلمته والدولة كلها مطالبة باحترام هذه الكلمة أما أن يظل أصحاب الأحكام ينتظرون سنوات طويلة بعد صدورها فهنا يصبح السؤال مشروعا
من يملك عمليا تعطيل تنفيذ حكم قضائي نهائي من صاحب هذه السطوة والشجاعة وهل هناك جهة تستطيع الوقوف بين المواطن وحقه الذي أقره القضاء؟
أطباء وقت العمل فقط
المفارقة التي يصعب تفسيرها أن أفراد المجموعة ما زالوا يعملون بالفعل داخل مديرية الطب البيطري بالشرقية يحضرون إلى أعمالهم ينفذون التعليمات يقومون بالمهام المكلفين بها تُستخرج لهم بيانات حالة وظيفية ويُعاملون باعتبارهم جزءا من المنظومة لكن حين يأتي الحديث عن الحقوق المالية تتوقف الأمور وكأن الموظف مطلوب منه أن يؤدي واجباته كاملة بينما يؤجل حقه إلى أجل غير معلوم.
الثروة الحيوانية تعرفهم جيدا
هؤلاء ليسوا أسماء في كشوف إنهم أطباء بيطريون وإداريون يساهمون يوميا في حماية الثروة الحيوانية بالمحافظة يواجهون الأمراض ويتابعون التحصينات ويشرفون على أعمال التفتيش البيطري ويراقبون سلامة اللحوم داخل المجازر ويتحملون مسؤوليات ترتبط بصحة الإنسان قبل الحيوان.
فهل يعقل أن يكون من يحمي غذاء الناس عاجزا عن توفير احتياجات أسرته؟
36 بيتا ينتظر الفرج
وراء كل طبيب أو إداري قصة ووراء كل اسم أسرة زوجة تكافح وأطفال يكبرون ومصاريف تعليم لا تتوقف وعلاج وفواتير.
وأقساط وأعباء لا ترحم.
خمس سنوات تقريبا من الانتظار.
خمس سنوات من الأمل المؤجل.
خمس سنوات من التساؤل المستمر
متى ينتهي هذا الملف؟
لماذا هم وحدهم؟
السؤال الذي يتردد على ألسنة الجميع
إذا كانت الدولة قد ثبتت عشرات الحالات المماثلة قبلهم على الموازنة العامة للدولة.
وإذا كانت الإجراءات القانونية نفسها سارت مع غيرهم فلماذا توقفت عند هؤلاء؟ هل هناك سبب قانوني؟إذا كان موجودا فليُعلن للرأي العام أما إذا لم يكن هناك سبب فلابد من إنهاء الأزمة فورا.
المالية وافقت فماذا بعد؟
وفق ما يؤكده أصحاب القضية فإن وزارة المالية أبدت موافقتها على استكمال إجراءات التثبيت وهنا يصبح الملف أكثر تعقيدا لأن العقبة لم تعد مالية ولم تعد مرتبطة بتوافر الدرجات أو الاعتمادات.
بل أصبحت مرتبطة بالسؤال الأخطر
أين توقفت الإجراءات بالضبط؟
ومن المسؤول عن هذا التوقف؟
صرخة إلى الجهات الرقابية
هذه القضية تستحق أن تُفحص بدقة
ليس دفاعا عن أفراد المجموعة فقط.
بل دفاعا عن هيبة القانون نفسه.
فإذا كان المواطن حصل على حكم نهائي وقرار إداري وموافقات رسمية وما زال عاجزا عن الوصول إلى حقه فإن الأمر يستحق المراجعة.
ومن حق الرأي العام أن يعرف.
ومن حق الجهات الرقابية أن تتحرك.
ومن حق أصحاب الأزمة أن يجدوا إجابة.
إلى أصحاب القرار
إلى معالى رئيس مجلس الوزراء.
إلى معالى وزير الزراعة.
إلى معالى محافظ الشرقية.
إلى معالى رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية.
إلى معالى نقيب الأطباء البيطريين.
إلى كل مسؤول يملك قرارا أو كلمة أو توقيعا.
هؤلاء لا يطلبون استثناء ولا يبحثون عن مجاملة ولا يريدون أكثر مما قرره القانون.
كل ما يطلبونه هو تنفيذ أحكام صدرت بالفعل وحقوق استحقت بالفعل وعدالة تأخر وصولها كثيرا.
*** المحرر
قد يختلف الناس حول السياسة وقد يختلفون حول الإدارة وقد يختلفون حول الأولويات لكن لا أحد يختلف على أن الحكم القضائي النهائي يجب أن يُحترم ولا أحد يختلف على أن العامل يستحق أجره ولا أحد يختلف على أن ترك 36 أسرة معلقة كل هذه السنوات أمر يحتاج إلى وقفة جادة.
ويبقى السؤال الذي يبحث عن إجابةإذا لم تكن الأحكام القضائية النهائية كافية للحصول على الحق فماذا بقي للمواطن بعد ذلك؟








