***أعترف أنني حاولت كثيرا أن أجد تفسيرا منطقيا لهذه القضية حاولت أن أفتش عن عذر أن أبحث عن مبرر أن أجد ثغرة قانونية أن أكتشف معلومة غائبة أن أقول ربما هناك جانب لا نعرفه.
لكن كلما تعمقت في تفاصيل الملف ازداد السؤال إلحاحا وازداد العجب اتساعا وازداد المشهد غرابة.
كيف يمكن أن يحصل مواطنون مصريون على أحكام قضائية نهائية وباتة؟ وكيف يصدر قرار إداري تنفيذًا لهذه الأحكام؟ وكيف تأتي الموافقات الرسمية من الجهات المختصة؟ وكيف تخاطب وزارة المالية الجهات المعنية بشأن استكمال إجراءات التثبيت على الموازنة العامة للدولة؟ ثم بعد كل ذلك يظل أصحاب القضية معلقين بين الأرض والسماء؟
إذا كانت هذه الوقائع صحيحة ومدعومة بالمستندات وهى كذلك صحيحة ومدعومة بالنستندات فنحن لا نتحدث هنا عن أزمة موظفين ولا عن نزاع إداري عابر ولا عن خلاف في تفسير مادة قانونية بل نتحدث عن قضية تمس جوهر الدولة نفسها.
لأن الدولة لا تقوم على المباني.
ولا تقوم على اللافتات.
ولا تقوم على المكاتب.
الدولة تقوم على احترام القانون.
وعلى تنفيذ الأحكام.
وعلى صيانة الحقوق.
وعندما يشعر المواطن أن الحكم القضائي النهائي لا يكفي وحده للحصول على حقه فإن القضية تصبح أكبر من أصحابها.
أكبر من الـ36 طبيبا وإداريا.
وأكبر من مديرية الطب البيطري بالشرقية.
وأكبر من أي مسؤول مهما كان موقعه.
تصبح القضية قضية ثقة.
وثقة المواطن في دولته ليست أمرا هينا.
ما يثير الدهشة أكثر أن أصحاب الأزمة ليسوا أشخاصا مجهولين للدولة.
ليسوا مختفين.
وليسوا متغيبين عن أعمالهم.
بل يعملون يوميا داخل أروقة مديرية الطب البيطري بالشرقية ووحداتها وإداراتها المختلفة.
يحضرون.
وينصرفون.
وينفذون الأعمال المطلوبة منهم.
ويشاركون في خدمة المواطنين.
ويتحملون مسؤولياتهم الوظيفية.
أي أن الدولة تعرفهم عندما تحتاج إلى العمل.
لكن حقوقهم ما زالت تبحث عمن يعترف بها.
وهنا يصبح السؤال مشروعا
إذا كانت جهة العمل تحتاج إليهم بالفعل فلماذا لا تُحسم أوضاعهم بصورة نهائية؟
وإذا كانت لا تحتاج إليهم فلماذا يعملون حتى الآن؟
أما السؤال الأخطر فهو
إذا كانت وزارة المالية قد خاطبت بشأن استكمال إجراءات التثبيت على الموازنة العامة للدولة فما الذي يمنع التنفيذ؟
ومن الذي يملك عمليا تعطيل مسار بدأ بحكم قضائي وانتهى بموافقات رسمية؟
أنا لا أتهم أحدا ولا أوجه أصابع الاتهام إلى شخص بعينه لكنني أقول بوضوح إن استمرار أي ملف بهذا الشكل لمدة تقارب خمس سنوات يستحق مراجعة جادة.
ويستحق تحقيقا إداريا شفافا.
ويستحق إجابات واضحة للرأي العام.
لأننا لسنا أمام مطالبة بميزة استثنائية
ولا أمام محاولة للقفز على القانون
بل أمام أشخاص يقولون إنهم سلكوا الطريق القانوني كاملا وحصلوا على أحكام قضائية واستوفوا الإجراءات المطلوبة.
فإذا كان كل ذلك صحيحا فماذا بقي بعد؟
ماذا يفعل المواطن أكثر من اللجوء إلى القضاء؟ وإلى أين يذهب بعد أن يحصل على حكم نهائي؟
وهنا أصل إلى نقطة أراها في غاية الخطورة.
الخطر الحقيقي ليس على الـ36 أسرة وحدها الخطر الحقيقي أن يترسخ لدى الناس شعور بأن الوصول إلى الحكم أسهل من تنفيذه وأن الحصول على الحق قانونا لا يعني بالضرورة الحصول عليه واقعا.
وهذا شعور لا يخدم أحدا.
ولا يخدم الدولة.
ولا يخدم مؤسساتها.
ولا يخدم فكرة سيادة القانون التي نتمسك بها جميعا.
إن هيبة الدولة لا تتجلى فقط في قدرتها على إصدار القرار.
بل في قدرتها على إنفاذه.
ولا تظهر فقط في صدور الأحكام.
بل في تنفيذها.
ولا تكتمل فقط بوجود القانون.
بل بوصول أثر القانون إلى الناس.
ولهذا فإنني أرى أن هذا الملف لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل.
ولم يعد يحتمل المزيد من الانتظار.
ولم يعد يحتمل المزيد من الصمت.
فإذا كانت هناك عقبة قانونية حقيقية فلتُعلن.
وإذا كان هناك مانع إداري فليُكشف.
وإذا كان هناك خطأ في الإجراءات فليُصحح.
أما أن تبقى عشرات الأسر معلقة بين حكم قضائي نافذ وواقع لا يتحرك فذلك مشهد لا يليق بدولة تحترم نفسها وتحترم قضاءها وتحترم مواطنيها.
ويبقى الأمل معقودا على تدخل الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء والسيد علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي والمهندس حازم الأشموني محافظ الشرقية والدكتور حامد الأقنص رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية لوضع نهاية واضحة وعادلة لهذا الملف، وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.
فالقضية في جوهرها ليست قضية 36 طبيبا وإداريا القضية هي هل تظل كلمة القضاء هي الكلمة العليا؟
هذا هو السؤال.
وهذا هو جوهر الحكاية كلها.
بقى أن اشير الى ان أصحاب القضية لا يطلبون تعيينا جديدا ولا يبحثون عن استثناء ولا يسعون إلى امتياز بل يطالبون فقط بتنفيذ ما صدر لهم بالفعل. وإذا كانت الأحكام القضائية والقرارات الإدارية وموافقات الجهات المختصة لا تكفي لإنهاء الملف فمن حق الرأي العام أن يتساءل ما الخطوة التالية التي يجب أن يقوم بها المواطن للحصول على حقه؟”
ياسادة الدولة المصرية أكبر من أي تعقيد إداري وأقوى من أي روتين وهيبة القضاء لا تكتمل بإصدار الأحكام فقط بل بوصول آثارها إلى أصحاب الحقوق.
لذلك يبقى الأمل أن يُغلق هذا الملف قريبا بما يليق بدولة القانون والعدالة.
ربنا يوفق أصحاب الحق إلى ما فيه الخير ويجعلنا سببا فى حصولهم على حقوقهم المشروعة والمأجلة بفعل فاعل…







