*** بعض القضايا تبدأ صغيرة ثم تكبر.
وبعضها تبدأ كبيرة ثم تتراجع.
لكن هناك نوعا ثالثا من القضايا لا تكمن خطورته في عدد أصحابها ولا في حجم الأموال المرتبطة بها ولا حتى في تفاصيلها الإدارية.
بل في الرسالة التي تتركها خلفها.
وهذا تحديدا ما يجعل قضية الـ36 طبيبا وإداريا بمديرية الطب البيطري بالشرقية تستحق التوقف أمامها طويلا.
لأن أخطر ما في هذه القضية ليس عدد أصحابها.
وليس سنوات الانتظار.
وليس حتى المعاناة الإنسانية التي عاشتها عشرات الأسر.
بل أخطر ما فيها هو السؤال الذي قد يطرحه أي مواطن بسيط بعد الاطلاع على تفاصيلها
إذا حصلت على حكم قضائي نهائي فهل يكفي ذلك للحصول على حقي؟
هذا السؤال وحده كفيل بأن يجعلنا جميعا نتوقف.
ليس دفاعا عن أشخاص.
بل دفاعا عن فكرة الدولة نفسها.
فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على إصدار القوانين.
بل على احترامها.
ولا تقوم فقط على وجود المحاكم.
بل على احترام أحكامها.
ولا تقوم فقط على منح الحقوق.
بل على ضمان وصولها إلى أصحابها.
ومن هنا فإن أي ملف تتأخر فيه الحقوق سنوات طويلة بعد صدور الأحكام يستحق أن يُراجع وأن يُفحص وأن يُناقش بشفافية كاملة.
لأن القضية هنا لا تخص أفرادا فقط.
بل تخص صورة العدالة في عيون الناس.
ما أعرفه أن أصحاب هذه الأزمة لم يحملوا لافتات للفوضى.
ولم يقطعوا طريقا.
ولم يعتدوا على مؤسسة.
ولم يخرجوا على القانون.
بل فعلوا ما تطلبه الدولة من أي مواطن لديه مظلمة.
لجأووووا إلى القضاء.
وانتظروووووا أحكامه.
وحصلووووا عليها.
ثم انتظرووووا التنفيذ.
ثم انتظروووووا أكثر.
ثم انتظروووووا أكثر.
حتى أصبح الانتظار نفسه عنوانا للقضية.
قد يختلف الناس حول تفسير بعض الإجراءات وقد تختلف الجهات حول بعض التفاصيل لكن ما لا يجوز أن يختلف عليه أحد هو أن احترام القضاء ليس خيارا.
وأن تنفيذ الأحكام ليس رفاهية.
وأن هيبة الدولة تبدأ من هيبة مؤسساتها.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه القضية أن أصحابها ليسوا غرباء عن مؤسسات الدولة.
إنهم يعملون داخل مديرية الطب البيطري بالشرقية.
ويؤدون أعمالهم اليومية.
ويشاركون في خدمة المواطنين.
ويقومون بالمهام الموكلة إليهم.
أي أنهم جزء من الجهاز الإداري نفسه.
ومن هنا تزداد الأسئلة.
إذا كانوا مطلوبين للعمل…
فكيف لا تُحسم أوضاعهم؟
وإذا كانت الأحكام قد صدرت فلماذا لا ينتهي الملف؟ وإذا كانت الجهات المختصة قد أبدت موافقاتها فأين تكمن العقدة؟
لا أملك الإجابة.
لكنني أملك حق السؤال.
وهو حق يملكه كل مواطن أيضا.
فالمسألة لم تعد تخص 36 طبيبا وإداريا فقط.
بل أصبحت تخص فكرة جوهرية
هل يشعر المواطن أن الطريق القانوني ما زال هو الطريق الأكثر أمانا للحصول على الحقوق؟
أعتقد أن الدولة المصرية حريصة على أن تكون الإجابة نعم.
وأعتقد أن مؤسساتها لا تقبل أن تبقى مثل هذه الملفات معلقة إلى ما لا نهاية.
ولهذا فإن القضية اليوم في حاجة إلى قرار.
إلى حسم.
إلى إجابة واضحة.
إلى نهاية تليق بدولة تحترم القانون وتحترم القضاء وتحترم مواطنيها.
فلا شيء يضر هيبة الدولة أكثر من شعور المواطن بأن حقه وصل إلى باب العدالة ثم توقف أمام باب التنفيذ.
ولا شيء يعزز الثقة أكثر من رؤية الحق يصل إلى صاحبه كاملا غير منقوص.
لهذا أقول إن القضية لم تعد قضية الـ36 طبيبًا.
القضية أصبحت قضية كل مواطن يؤمن أن الدولة التي أنصفته بحكم قضائي قادرة أيضا على إنصافه بتنفيذ هذا الحكم.
وهذه هي الرسالة الأهم.
وهذا هو جوهر الحكاية كلها.







