تحقيق احمد عسله
هناك ملفات تطول لأن تفاصيلها معقدة وملفات أخرى تطول لأن كل طرف ينظر إليها من زاوية مختلفة وهناك نوع ثالث من الملفات يصبح طول عمره في حد ذاته سببا لإعادة فتحه.
وقضية موظفي كهربة الريف تنتمي – وفق ما يطرحه أصحابها – إلى النوع الثالث فمنذ السنوات التى أعقبت إلغاء هيئة كهربة الريف ونقل العاملين إلى الشركة القابضة لكهرباء مصر وشركاتها التابعة لم يتوقف الجدل حول عدد من المزايا التأمينية والمالية وعلى رأسها وثيقة تأمين كهربة الريف التى يقول العاملون إنهم كانوا يستفيدون منها وفق قواعد محددة قبل النقل.
وبينما تغيرت القيادات وتبدلت مواقع المسؤولين وتقدمت التكنولوجيا وتغيرت نظم العمل داخل قطاع الكهرباء ظل السؤال الذى يحمله العاملون معهم حاضرا لماذا لم يُغلق هذا الملف حتى الآن؟
قضية لا تريد أن تبقى فى الأدراج
العاملون لا يقدمون قضيتهم باعتبارها طلبا للحصول على ميزة جديدة وإنما باعتبارها مطالبة بإعادة فحص وضع قائم يقولون إن له جذورا فى القانون والعقود والمذكرات والاشتراكات وسوابق الصرف.
وهنا يجب التفريق بين أمرين
الأول هو حق العاملين فى عرض مطالبهم والدفاع عنها والثانى هو سلطة الجهات المختصة فى تحديد مدى قانونية تلك المطالب بعد مراجعة المستندات وهذه المسافة هى التى يجب أن تتحرك فيها الدولة.
فلا الإعلام محكمة ولا الشكوى حكم نهائى ولا الرد الإدارى المختصر يمكن أن يغنى عن دراسة ملف طويل بهذا الحجم.
من أين بدأت المشكلة؟
بحسب رواية العاملين والمستندات التى يقولون إنهم قدموها كانت وثيقة تأمين كهربة الريف مرتبطة بنظام محدد قبل إلغاء الهيئة، وكانت قيمة الميزة عند نهاية الخدمة تحتسب على أساس الأجر الشامل وفق القواعد التى يذكرونها.
ثم جاء القانون رقم 13 لسنة 2007 ليعيد ترتيب الخريطة المؤسسية وينقل العاملين إلى الشركة القابضة وشركاتها التابعة.
ومن هنا أصبح السؤال
هل انتقل العامل فقط إلى الجهة الجديدة أم انتقلت معه كامل الحقوق والالتزامات المرتبطة بوضعه السابق؟
العاملون يتمسكون بالإجابة الثانية.
أما الحسم النهائى فيظل من اختصاص الجهات القانونية والإدارية والمالية المعنية.
مرتب مارس 2012 التاريخ الذى تحولت عنده القضية إلى أزمة
يرى العاملون أن تثبيت احتساب الوثيقة عند مرتب مارس 2012 أدى إلى تجميد قيمة الميزة رغم استمرار الخدمة والزيادات والاشتراكات بعد ذلك وهذه النقطة هى قلب الأزمة لأن الموظف الذى استمر فى العمل سنوات بعد ذلك التاريخ يقول أنا لم أتوقف عن العمل وراتبى تغير واشتراكى استمر فلماذا اذن بقيت الوثيقة مرتبطة برقم قديم؟
هذا السؤال يبدو بسيطا فى صياغته لكنه يحتاج إلى إجابة اكتوارية وقانونية ومحاسبية دقيقة.
إذا كان الخطأ إداريا فمن يتحمل نتيجته؟
هذه ربما أخطر نقطة فى الملف كله فالعامل لا يحدد البيانات التى ترسلها الإدارة إلى شركة التأمين ولا يقرر طريقة تحديث قاعدة البيانات ولا يوقع على المذكرات المتبادلة بين الجهات ولا يحدد قيمة الأقساط التى تورد لكنه يقول إنه التزم بما عليه ومن ثم فإن السؤال الذى يجب أن تجيب عنه اللجنة المختصة هو إذا ثبت أن هناك تقصيرا إداريا فى تحديث البيانات أو معالجة الاشتراكات فهل يجوز تحميل العامل وحده آثار ذلك؟ وهذا السؤال لا ينبغى أن يظل بلا إجابة
الأموال ليست مجرد أرقام إنها اشتراكات أصحابها
العاملون يذكرون أرقاما كبيرة تتعلق بودائع وأموال واحتياطيات مرتبطة بالوثيقة وبغض النظر عن دقة كل رقم من هذه الأرقام – وهى أمور يجب أن تثبتها الحسابات الرسمية – فإن مجرد طرحها يجعل المراجعة المالية أمرا منطقيا فالوثيقة التى تعتمد على اشتراكات آلاف العاملين تحتاج إلى حسابات واضحة
كم تم تحصيله؟ كم تم توريده؟ كم تم استثماره؟ كم صرف؟ كم تبقى؟
وما الالتزامات المستقبلية؟ وهل توجد دراسة اكتوارية حديثة تعكس الوضع الحالى؟ هذه ليست أسئلة اتهامية إنها أسئلة حوكمة
السنوات الأربع عشرة غيرت قيمة الأموال أيضا وهناك عامل آخر لا يمكن تجاهله المال الذى كان يمثل قيمة معينة فى 2012 لايساوى بالضرورة القيمة الاقتصادية نفسها اليوم ولهذا فإن أى تسوية عادلة – إذا انتهت الجهات المختصة إلى وجود مستحقات – تحتاج إلى دراسة مالية دقيقة تأخذ فى الاعتبار طبيعة الوثيقة وقواعدها ومصادر تمويلها والتزاماتها وهنا تظهر أهمية الخبير الاكتوارى.
فالخلاف ليس فقط كم يستحق العامل؟ بل
كيف يتم احتساب ما يستحقه بصورة سليمة ومستدامة؟ لماذا لا يكون الحل اكتواريا؟
العاملون أنفسهم طرحوا فى مذكراتهم فكرة الدراسة الاكتوارية وهذه نقطة تستحق التوقف لأن الدراسة الاكتوارية يمكن أن تحول القضية من جدل لفظى إلى أرقام.
بدلا من أن يقول طرف “لا توجد موارد”
ويقول طرف آخر “هناك أموال” تأتي الدراسة لتحدد حجم الالتزامات حجم الموارد الفجوة التمويلية طرق تغطيتها نسبة مساهمة العامل نسبة مساهمة جهة العمل – إذا قررت الجهات المختصة ذلك وفترة السداد وبذلك يتحول الملف من نزاع مفتوح إلى خطة قابلة للتنفيذ.
العاملون لا يريدون معركة مع الشركة القابضة
رغم حدة بعض خطابات العاملين فإن جوهر مطلبهم – كما يظهر من مذكراتهم – ليس الدخول فى خصومة مع الشركة القابضة هم يريدون أن تقول لهم الجهة المسؤولة هذا حقكم أو ليس حقكم لكن فى الحالتين يريدون معرفة السبب القانونى والمالى وهذه هى النقطة التى يمكن أن تُعيد الهدوء إلى الملف.
لماذا لا تُعلن نتيجة مراجعة واحدة نهائية؟
السؤال هنا موجه إلى كل الجهات التى تعاملت مع الملف عبر السنوات لماذا لا يتم تجميع كل المستندات فى ملف واحد؟
قانون 13 لسنة 2007.
القرارات الوزارية.
العقود.
المذكرة المشتركة.
المكاتبات القانونية.
توصيات اللجان.
كشوف الاشتراكات.
بيانات التأمين.
سوابق الصرف.
الأحكام القضائية.
ثم إخضاعها جميعا لمراجعة واحدة وبعدها يصدر تقرير نهائى.
14 عاما تكفى
قد تكون المطالبة صحيحة بالكامل وقد تحتاج إلى تعديلات وقد تكشف المراجعة عن اختلافات بين فئات العاملين كل ذلك يمكن حسمه لكن ما يصعب تبريره هو استمرار حالة عدم اليقين فالسنوات لا تحل المشكلات الإدارية وحدها أحيانًا تزيدها تعقيدا.
رسالة إلى وزير الكهرباء
الدكتور محمود عصمت أمام ملف يمكن أن يتحول من أزمة ممتدة إلى نموذج للحل المؤسسى والحل ليس بالضرورة أن يكون قرارا فوريا بالصرف قد يكون القرار الأول هو افتحوا الملف بالكامل شكلوا لجنة راجعوا الحسابات اطلبوا الرأى القانونى أجروا الدراسة الاكتوارية استمعوا إلى العاملين ثم أصدروا القرار هذا وحده سيكون خطوة كبيرة.
ورسالة إلى رئيس الوزراء
الدكتور مصطفى مدبولى يستطيع – فى إطار اختصاصاته – أن يدفع نحو التنسيق بين الجهات المختلفة إذا تبين أن الملف يحتاج إلى تدخل حكومى أوسع فالملفات التى تمتد بين أكثر من جهة تحتاج أحيانا إلى طاولة واحدة بدل عشرات المكاتبات.
أربع عشرة سنة ليست فترة قصيرة وخلف كل رقم فى هذه القضية إنسان وخلف كل موظف أسرة وخلف كل موظف خرج على المعاش سنوات من الخدمة ولهذا فإن إنهاء الملف ليس مجرد إجراء إدارى إنه أيضا رسالة إلى العاملين الحاليين بأن حقوقهم ومخاوفهم تجد من يسمعها فليكن عام 2026 عام الحسم لا عام إضافة سنة جديدة إلى سنوات الانتظار.










