تحقيق احمد عسله
فى أى مؤسسة كبيرة قد تختلف الوظائف وتتعدد الشركات وتتغير اللوائح لكن هناك قاعدة لا يمكن أن تستقيم الإدارة بدونها
المعيار الواحد فى الحالات المتشابهة.
وهذه القاعدة تحديدا هى التى يضعها موظفو كهربة الريف فى مقدمة مطالبهم فهم لا يقولون إن كل حالة متطابقة بالضرورة بل يقولون إن هناك حالات متشابهة فى ظروف النقل والاشتراك والخدمة ومع ذلك انتهت إلى نتائج مختلفة.
وهنا تبدأ المشكلة
فالمساواة ليست أن يحصل الجميع على الرقم نفسه المساواة القانونية لا تعنى بالضرورة أن يحصل كل شخص على المبلغ نفسه بل تعنى أن يخضع أصحاب المراكز القانونية المتشابهة للقواعد ذاتها فإذا اختلف المركز القانونى يجوز أن تختلف المعاملة لكن يجب أن يكون سبب الاختلاف واضحا وهذا تحديدا ما يطلبه العاملون
أين الفارق القانونى الذى يبرر اختلاف المعاملة؟
قيادات حصلت على مزايا متعددة لماذا يثير ذلك التساؤل؟
العاملون يشيرون إلى حالات لقيادات انتقلت بين جهات مختلفة واستمرت لها مزايا من جهة سابقة وحصلت كذلك على مزايا من الجهة الجديدة وفق أوضاع يقولون إنها موثقة.
ولا يقول أصحاب القضية إن حصول هذه القيادات على مزاياها يجب أن يتوقف.
بل يقولون إذا كان القانون سمح بذلك فى حالات معينة فلماذا لا تتم دراسة المركز القانونى للعاملين السابقين بهيئة كهربة الريف وفق المعيار نفسه؟
وهذا سؤال مشروع يستحق إجابة موثقة.
شركة مصر العليا نموذج آخر يطلب العاملون تفسيره
من بين الوقائع التى يكرر العاملون الإشارة إليها ما يتعلق بوثيقة التأمين فى شركة مصر العليا لتوزيع الكهرباء.
ووفق ما يقولونه وافقت الشركة على نظام تأمينى تتحمل فيه الشركة جزءًا من التكلفة بينما يتحمل العامل اشتراكا محددا.
كما يشيرون إلى قبول بعض العاملين السابقين بكهربة الريف فى الوثيقة بعد ترتيبات لاحقة.
وهنا لا يكفى أن نقول هذه وثيقة مختلفة بل يجب أن يكون السؤال ما القاعدة التى سمحت بهذا الوضع؟ وما الفارق القانونى بينها وبين وضع وثيقة كهربة الريف؟
فإذا كان هناك فارق فليُعلن وإذا لم يوجد فهنا تصبح المطالبة بالمراجعة أكثر إلحاحا.
السابقة لا تعنى الحق تلقائيا لكنها تستحق الدراسة
وهنا يجب الالتزام بالدقة فوجود حالة حصلت على ميزة معينة لا يعنى تلقائيا أن كل العاملين يستحقونها لكن السابقة الإدارية أو المالية تظل مهمة عند دراسة مدى تماثل المراكز القانونية ولهذا فإن ما يطالب به العاملون ليس إصدار حكم إعلامى لصالحهم وإنما قارنوا الحالات ضعوا المستندات جنبا إلى جنب حددوا الفروق ثم قولوا لنا لماذا اختلفت النتائج فالقضية ليست ضد من حصل على حقه وهذه نقطة يجب تثبيتها
فلا ينبغى أن تتحول المطالبة إلى مطالبة بسحب حق من زميل فإذا كان شخص قد حصل على حقه وفق القانون فليظل حقه محفوظا وإذا كان هناك شخص آخر يرى أن ظروفه مماثلة فليُبحث ملفه بصورة مستقلة.
فالعدالة لا تعنى إعادة توزيع الظلم بل تعنى توحيد معيار الاستحقاق.
من وثيقة الخمسين شهرا إلى ميزة الاثنى عشر شهرا
تتفرع القضية إلى محورين أساسيين بحسب مطالب العاملين.
الأول طريقة احتساب وثيقة تأمين كهربة الريف التى يطالبون بأن تكون على آخر مرتب شامل وفق ما يرونه مستندا إلى قواعد الوثيقة الأصلية.
والثانى ميزة الاثنى عشر شهرا التى يقولون إنها كانت مرتبطة بآخر مرتب أساسى وإن الاشتراكات استمرت بالنسبة لمن ظلوا بالخدمة وهنا يجب أن تكون هناك إجابة منفصلة لكل ميزة لأن لكل واحدة قواعدها ومصادر تمويلها وآلية استحقاقها.
الاشتراك المستمر يفتح سؤالا لا يمكن تجاهله إذا استمر العامل فى سداد اشتراك ميزة معينة بعد تاريخ توقف الصرف فلابد من معرفة ما الأساس الذى استمر به الخصم؟ وأين ذهبت الاشتراكات؟ وهل كانت هناك آلية بديلة؟ وهل أُبلغ العاملون رسميا بتغيير النظام؟ وهل صدر قرار مكتوب؟ هذه الأسئلة لا تحسمها المذكرات الشفهية تحسمها المستندات وهنا يظهر دور الجهاز الإدارى
فالموظف ليس هو من يدير الوثيقة الإدارة هى التى تضع النظام وهى التى تتعامل مع شركة التأمين وهى التى تحتفظ بالبيانات.
وهى التى تقوم بالحسابات ومن ثم فإن أى مراجعة يجب أن تبحث فى التسلسل الكامل للعملية من يوم خصم الاشتراك من راتب العامل حتى يوم توريده حتى إدراجه فى حساب الوثيقة حتى يوم استحقاق الميزة.
هذه السلسلة الكاملة هى التى يمكن أن تكشف أين حدث الخلاف.
لماذا لا تُفتح دفاتر الوثيقة أمام لجنة متخصصة؟
ليس المقصود فتح البيانات الشخصية أوالإخلال بسرية الحسابات لكن يمكن للجنة المختصة أن تراجع إجمالى الاشتراكات إجمالى المصروفات إجمالى العوائد قيمة الالتزامات قيمة الاحتياطيات الفروق بين الاشتراكات الفعلية والمبالغ الموردة لشركة التأمين وأى مبالغ ظلت لدى الجهة المديرة للوثيقة وبذلك يمكن معرفة الصورة الحقيقية.
المشكلة لا تحتاج إلى خصومة تحتاج إلى أرقام
إذا قالت الإدارة إن الموارد لا تسمح فليكن هناك تقرير إذا قالت إن الوثيقة لا تسمح فليكن هناك عقد إذا قيل إن القانون يمنع فليكن هناك نص قانونى إذا قيل إن الحكم القضائى يحسم المسألة فلتُعرض أسباب الحكم ومدى انطباقها أما الردود العامة المزاجية فلا تكفى فى ملف ظل مفتوحا أكثر من عقد.
الحل الممكن «تسوية مؤسسية»
يمكن للجهات المختصة إذا رأت أن ذلك جائز قانونًا دراسة تسوية شاملة تقوم على
أولا حصر جميع العاملين الحاليين والمتقاعدين.
ثانيا تحديد المبالغ التى تم صرفها بالفعل لكل حالة.
ثالثا استخراج آخر مفردات المرتب وفق القواعد محل البحث.
رابعا مراجعة الاشتراكات الفعلية.
خامسا إجراء دراسة اكتوارية.
سادسا تحديد الفروق إن وجدت.
سابعا وضع جدول زمنى للتنفيذ إذا انتهت الدراسة إلى وجود مستحقات.
وبذلك يتحول الملف إلى مشروع تسوية وليس معركة لا نهاية لها.
المعاشات أولا
أصحاب المعاشات هم الأكثر احتياجا للحسم فالزمن بالنسبة إلى الموظف الموجود بالخدمة يمكن أن يسمح ببعض الحلول المستقبلية أما من خرج على المعاش منذ سنوات فإن الانتظار بالنسبة له أصبح أكثر قسوة ولهذا فإن أى لجنة تبحث الملف يجب أن تضع أصحاب المعاشات فى مقدمة أولوياتها
ومن رحلوا عن الدنيا؟
وهناك بعد إنسانى لا يمكن تجاهله فبعض من بدأوا المطالبة منذ سنوات لم يعودوا موجودين اليوم وقد انتقلت حقوقهم إن ثبتت إلى أسرهم وورثتهم وفق القانون.
ولهذا فإن إطالة أمد الملف تعنى عمليا أن بعض أصحاب المطالب قد لا يشهدون نهايته وهذه وحدها رسالة كافية للإسراع فى الفحص.
رسالة العاملين ليست «اصرفوا الآن» فقط
بل يمكن تلخيصها فى عبارة أكثر دقة
افحصوا أولا ثم احكموا ثم نفذوا.
هذه هى الصيغة التى يمكن أن تجمع بين حق الدولة فى التحقق وحق العامل فى معرفة الحقيقة.
وزير الكهرباء أمام فرصة تاريخية اذا أراد العدل ان يسود لإعادة بناء الثقة بينهم بين مرؤوسيه
الدكتور محمود عصمت يستطيع إذا رأى أن الملف يستحق أن يطلب تقريرا جامعا لا يكتفى بوجهة نظر جهة واحدة.
تقرير يوضع ورأى القانون ورأى المالية ورأى الموارد البشرية ورأى شركة التأمين والدراسة الاكتوارية وسوابق التنفيذ ثم يقدم توصية نهائية وعندها يستطيع الوزير اتخاذ القرار على أساس كامل.
ورئيس الوزراء يمكنه أن يطلب كلمة واحدة من كل الجهات
بدل أن تظل كل جهة ترد على جزء من القضية يمكن أن يكون المطلوب الحكومى ببساطة قدموا لنا الملف كاملا برأيكم النهائى.
هذه الجملة وحدها قد تختصر سنوات من المكاتبات.
*** المحرر
قضية موظفى كهربة الريف ليست اختبارا للعاملين وحدهم إنها اختبار لقدرة الإدارة على مراجعة ملف قديم وفحص مستنداته وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح والالتزام بما يثبت قانونا وقد لا تكون كل مطالب العاملين صحيحة بالصورة التى يطرحونها وقد تكون بعض المطالب بحاجة إلى تعديل وقد تكشف المراجعة وجود اختلافات بين فئات العاملين لكن كل ذلك يمكن حسمه فالمشكلة الحقيقية ليست فى اختلاف الرأى وإنما فى استمرار الاختلاف دون كلمة نهائية ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس وعدا جديدا.
ولا مذكرة جديدة ولا ردا جديدا المطلوب لجنة واحدة ملف واحد حساب واحد رأى قانونى واضح ثم قرار نهائى فإذا ثبت الحق فليصل إلى أصحابه وإذا لم يثبت فليعرف أصحابه لماذا وهكذا فقط يمكن أن تنتهى قصة بدأت منذ سنوات طويلة دون أن يخرج منها طرف يشعر بأنه لم يُسمع فالعدالة لاتحتاج إلى صوت أعلى وإنما تحتاج إلى معيار واحد….. يارب يحصل المراد لتحيا مصر بجد







