كتب احمد عسله
في عرس علمي متميز احتضنت كلية التربية بالإسماعيلية بجامعة قناة السويس مناقشة رسالة دكتوراه في موضوع يجمع بين أصالة البحث اللغوي وعمق المقاربة التربوية من خلال توظيف نظرية أفعال الكلام في تنمية مهارات الاستدلال الفقهي ومهارات الحوار لدى متعلمي اللغة العربية الناطقين بغيرها في دراسة تفتح مسارا بحثيا جديدا أمام تعليم العربية للناطقين بغيرها وتربط بين علوم اللغة ومناهج التدريس والمهارات العقلية والحوارية.
جاءت الرسالة في موضوع بالغ الخصوصية والأهمية باعتبار أن تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها لم يعد قاصرا على إكساب المتعلم مفردات اللغة وقواعدها، وإنما أصبح يستهدف بناء قدرته على فهم المقاصد والمعاني والسياقات وتحليل الخطاب والاستدلال والمناقشة وإدارة الحوار بصورة واعية ومنهجية.
تزداد أهمية الدراسة عندما تتصل هذه المهارات بمجال الاستدلال الفقهي بما يحمله من طبيعة خاصة تعتمد على فهم النصوص وإدراك دلالاتها وتحليل المقاصد والسياقات، والقدرة على بناء الحوار القائم على الفهم والحجة والاحترام.
تقوم الفكرة الجوهرية للدراسة على الإفادة من نظرية أفعال الكلام باعتبارها أحد الاتجاهات المهمة في الدراسات التداولية الحديثة وتوظيفها داخل العملية التعليمية بما يساعد المتعلم على تجاوز الفهم الحرفي للنص إلى إدراك ما وراء الكلمات من مقاصد ودلالات وأفعال تواصلية وهو ما يمكن أن ينعكس على قدرته على الاستدلال والمناقشة والحوار.
إشراف علمي يجمع بين الخبرة والتجديد
جاءت الرسالة تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمد صلاح الدين أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية بالإسماعيلية – جامعة قناة السويس، بما يمتلكه من خبرة علمية وأكاديمية في مجال المناهج وطرق التدريس وحرص على دعم البحوث التي تتجه إلى تطوير أدوات التعليم وأساليبه وربطها بالاتجاهات الحديثة في البحث التربوي.
وشاركه في الإشراف العلمي الأستاذ الدكتور علي عبد المنعم حسين أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية بكلية التربية جامعة الزقازيق بطل الرسالة وأحد الأساتذة الكبار الذين لهم حضور بارز في مجال التربية اللغوية والبحث العلمي في مصر والعالم العربي وصاحب مدرسة متميزة في الإشراف العلمي عُرفت بعطائها للباحثين وحرصها على الارتقاء بمستوى الدراسات العلمية.
كما جاءت مشاركة الأستاذ الدكتور فوزي طه ممثلا للكلية في إطار المنظومة العلمية التي احتضنت الرسالة ودعمت خروجها في صورة بحثية تجمع بين التأصيل النظري والتطبيق التربوي.
لجنة حكم ومناقشة من قامات علمية
وضمت لجنة الحكم والمناقشة نخبة من كبار المتخصصين في مجال المناهج وطرق التدريس والتربية اللغوية وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور محمد جابر قاسم وكيل كلية التربية بجامعة أسيوط السابق لشؤون التعليم والطلاب بما له من مكانة علمية وخبرة أكاديمية واسعة في مجال التربية وعلوم التعليم.
كما شارك في المناقشة الأستاذ الدكتور عبد اللطيف أبو بكر أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية جامعة قناة السويس في واحدة من المناقشات العلمية التي اتسمت بالعمق والتخصص، وفتحت مساحة واسعة لمناقشة القيمة العلمية والتطبيقية التي يمكن أن تضيفها الرسالة إلى مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها.
من اللغة إلى التفكير ومن فهم النص إلى صناعة الحوار
تتميز الرسالة بكونها لا تتعامل مع اللغة باعتبارها مجموعة من القواعد والمفردات التي يتعين على المتعلم حفظها وإنما تنظر إليها باعتبارها أداة للتفكير والتواصل والاستدلال وبناء العلاقات الإنسانية.
من هنا جاء توظيف نظرية أفعال الكلام باعتبارها مدخلا يمكن من خلاله تدريب المتعلم على فهم ما يقوله المتحدث وما يقصده في الوقت نفسه والتمييز بين الدلالة المباشرة والدلالات التي يفرضها السياق والمقام وطبيعة الخطاب.
هذه المقاربة تمنح المتعلم الناطق بغير العربية فرصة للانتقال من مرحلة فهم اللغة إلى مرحلة أكثر تقدما تتمثل في فهم استعمال اللغة وهو فارق جوهري في تعليم اللغات لأن المتعلم المتقدم ليس هو من يعرف الكلمات والقواعد فحسب وإنما من يستطيع أن يفهم المقصد، ويحلل الخطاب ويستنتج المعنى ويشارك في الحوار بصورة سليمة وفاعلة.
الاستدلال الفقهي مساحة جديدة في تعليم العربية للناطقين بغيرها
من أبرز ما يميز موضوع الرسالة تركيزه على مهارات الاستدلال الفقهي بما يجعلها تلتقي مع مجالين في آن واحد مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ومجال تنمية التفكير والاستدلال.
فالاستدلال الفقهي يحتاج إلى متعلم قادر على قراءة النص قراءة دقيقة وفهم مفرداته وتراكيبه وإدراك السياق الذي ورد فيه والتمييز بين المعنى الصريح والمعنى المستنبط ثم الانتقال من الفهم إلى التحليل والمناقشة.
من هذا المنطلق تطرح الدراسة تصورا يمكن أن يسهم في تطوير البرامج التعليمية الموجهة للناطقين بغير العربية خاصة الراغبين في دراسة العلوم الشرعية واللغة العربية دراسة متقدمة.
الحوار.ليس مجرد حديث وإنما مهارة وفكر ومسؤولية
لم تقف الرسالة عند حدود الاستدلال، وإنما اهتمت كذلك بتنمية مهارات الحوار باعتبارها إحدى المهارات الأساسية التي يحتاج إليها متعلم اللغة العربية في حياته العلمية والاجتماعية.
فالحوار الناجح لا يعتمد فقط على امتلاك الرصيد اللغوي وإنما يحتاج إلى القدرة على الإصغاء وفهم وجهة النظر الأخرى وتحليل الحجة واختيار التعبير المناسب والرد بطريقة تتفق مع طبيعة الموقف والسياق.
من هنا فإن توظيف نظرية أفعال الكلام يمكن أن يقدم للمتعلم تدريبا أكثر عمقا على فهم طبيعة المواقف الحوارية وما تتضمنه من طلب وإجابة وسؤال وتوضيح وموافقة واعتراض ونقاش واستدلال بما يساعده على استخدام العربية استخداما أكثر دقة ووعيا.
رسالة تفتح بابا جديدا أمام الدراسات اللغوية والتربوية
تكتسب الرسالة أهميتها من كونها تتحرك في منطقة مشتركة بين اللسانيات التداولية وتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها والمناهج وطرق التدريس وتنمية التفكير والاستدلال ومهارات الحوار.
وهو ما يمنحها طابعا متفردا ويجعلها قابلة لأن تكون نقطة انطلاق لدراسات لاحقة تتناول توظيف النظريات اللسانية الحديثة في تطوير برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها..
كما يمكن أن تفتح الدراسة الباب أمام تطوير محتوى تعليمي أكثر ارتباطا بالمواقف الحقيقية التي يستخدم فيها المتعلم اللغة بدلا من الاقتصار على التدريب التقليدي القائم على حفظ المفردات والقواعد بعيدا عن سياقات استخدامها.
تربية الإسماعيلية منصة للبحث العلمي المتجدد
تأتي هذه المناقشة في إطار ما تشهده كلية التربية بالإسماعيلية جامعة قناة السويس من اهتمام بالبحث العلمي وتشجيع الباحثين على اختيار موضوعات تتسم بالأصالة والتجديد وتتناول قضايا تربوية ولغوية تتصل باحتياجات الواقع.
وتحت قيادة الأستاذ الدكتور مدحت صالح عميد كلية التربية بالإسماعيلية تواصل الكلية دعمها للبحث العلمي واحتضان المناقشات العلمية التي تمثل إضافة حقيقية إلى مسيرة الدراسات التربوية.
ويؤكد هذا النوع من الرسائل أن الجامعات المصرية قادرة على إنتاج دراسات تتجاوز الحدود التقليدية للتخصص وتجمع بين أكثر من مجال علمي في سبيل الوصول إلى حلول ورؤى جديدة للقضايا التعليمية.
إشادة بالدور العلمي للمشرفين والمناقشين
شهدت المناقشة تقديرا للدور الذي قام به المشرفون وأعضاء لجنة الحكم لما قدموه من ملاحظات علمية ورؤى نقدية تسهم في تعزيز قيمة الرسالة وإثرائها.
كما عكست المناقشة أهمية وجود مشرفين يمتلكون القدرة على توجيه الباحث نحو المناطق البحثية الجديدة مع الحفاظ على الصرامة العلمية والدقة المنهجية وهو ما تجسد في هذه الدراسة من خلال الجمع بين التأصيل النظري والتطبيق التربوي.
إنجاز علمي يليق برسالة متفردة
في ختام المناقشة جاء هذا الإنجاز العلمي ليؤكد أن البحث التربوي الحقيقي هو الذي لا يكتفي بوصف المشكلة وإنما يبحث عن مداخل جديدة للتعامل معها ويضع العلم في خدمة تطوير الإنسان وقدرته على التعلم والتواصل والتفكير.
تظل القيمة الأهم لهذه الرسالة في أنها تنظر إلى اللغة العربية باعتبارها أكثر من وسيلة للتواصل فهي أداة للفهم والاستدلال وبناء الحجة وإدارة الحوار والتفاعل مع النصوص والمواقف المختلفة.
من هنا يمكن القول إن رسالة الدكتوراه التي احتضنتها تربية الإسماعيلية بجامعة قناة السويس لم تكن مجرد دراسة في نظرية لغوية أو أسلوب من أساليب التدريس وإنما محاولة علمية جادة لصناعة متعلم يمتلك اللغة ويفهم مقاصدها ويستطيع أن يستدل بها ويحاور من خلالها، ويتعامل مع النص والموقف بعقلية واعية.
إنه بالفعل عرس علمي يليق بموضوع متفرد وبمؤسسة أكاديمية تؤمن بأن تجديد التعليم يبدأ من تجديد أدوات البحث وأن صناعة المستقبل تحتاج إلى باحثين لا يكتفون بتكرار ما هو قائم وإنما يجرؤون على فتح أبواب جديدة في العلم والمعرفة…








